لا جديد تحت الشمس يا سوسن

13 اغسطس 2020
الصورة

(صفوان داحول)

+ الخط -

منذ دخلت سوسن إلى الفصل، وتبعها التلميذ نصر، والأيام لا ترحم أحداً، لا من قبل ولا من بعد. كان التلميذ نصر في مريلة جميلة، أجمل بكثير من مريلة سوسن، وحقيبة جميلة أجمل من حقيبتها، إلا أنها كانت تمتلك، سبحان الله، قبولاً وجديلة جميلة من الشعر، حسدها عليها نصر، حينما التقط "المصوّراتي" للفصل كله صورَ تقدُّمهم لامتحانات الصف السادس الابتدائي، على درجات سلَّم المستوصف في منتصف الستينيات.

في طريق المدرسة الإعدادية، كانت سوسن تخجل من نصر، وخصوصاً بعدما امتلأ الشارع بالأولاد والبنات، وبعدما كبرت هي وزاد طولها، وأصبحت في مدرسة خاصة بالبنات فقط. لكن نصر ظلّ سنوات يأتي على ذكر اسمها مع بنات خاله وخالاته في المدرسة نفسها.

لا جديد في أمر سوسن أبداً، ولا جديد في أمر نصر، سوى أن سوسن حصلت على الثانوية، وكذلك نصر، وأصبح نصر يرى سوسن كل أسبوع، مرة أو مرّتين بالمصادفة، على محطة قطار السكة الجديد، لأن القطار على أيامها كان، باشتراك الطلبة، من أرخص الوسائل للوصول إلى الجامعة، علاوة على رومانسية الحالة التي لم تكن قد فسدت بعد، إلا أن سوسن كانت تحافظ على خجلها من نصر، وكذلك نصر. وظلت الحالة كما هي حتى تخرجا من الجامعة، من دون أي هزّات، كما هو الحال في معظم الجامعات الإقليمية، إلا أن شيئاً ما قد حدث في حياة سوسن غيّر كل عالمها الهادئ في أسرتها الفقيرة رأساً على عقب، فقد حصلت على عقد عمل في السعودية، وهي كبيرة أخواتها وأخوتها، والأب موظفٌ بسيط في السكة الحديد، ويخاف عليها، وأيضاً كثير العيال، ويسكن بالمجان في "مساكن الدريسة"، وقد زرع في المدخل نخلتين وتكعيبة عنب، وأمه التي ربّته عزيزة عليه دوماً، ويشتري رضاها بأي ثمن، وأصبحت الأسرة في سؤال: من يسافر مع سوسن؟

كانت رعشةٌ بسيطةٌ قد أصابت يد الأب من سنتين، إلا أنها لم تعطله عن عمله، إلا أن نصر دقّ على باب الأب، ومعه الحاجة أمه، بعدما قال له صديق في السكة الحديد: "ضيوف في الخير هيشربوا معاك الشاي في المغربية يا أبو سوسن"، فردّ أبو سوسن: "يشرّفوا". وجرت كل الأشياء في هدوء، على أن يسافر نصر مع سوسن بعد كتب الكتاب والزفاف، لأن ظروف والد سوسن لا تساعده على السفر، وقد طلب منهما فقط ألا ينسوه في الدعاء، وخصوصاً في المدينة المنورة. بعدها تساءل نصر، وهو المعتزّ بنفسه: وما مصيري أنا في السعودية بلا عمل؟ وأخيراً أقنعه والده: "ربنا بيفتح باب الأرزاق. توكل على الله". وعاشا معاً وتعبا معاً، حتى امتلأ البيت بالعيال والرزق. وتنقل نصر من كفيل إلى كفيل، حتى بات هو الذي يورّد للكفلاء.

واشترت سوسن البيت وفيه الحديقة، نصف لنصر ونصفه الآخر لها، واشترى هو الفدّانين ومصنع مكرونة من تعبه وعرقه، وامتلأت الحديقة بالسيارات. ودخل نصر في تجارة الأراضي في الظهير الصحراوي، علاوة على سوبر ماركت كبير، ولا يعرف الواحد بالطبع من أي مكان تدخل الشياطين مع الرزق الوافر. وتلك من المحيّرات يا ربي في الدنيا.

كانت سوسن قد اشترت لوالدها بيتاً صغيراً بعدما سلّم والدها "بيت الدريسة" للحكومة بعد المعاش. وجلس على الدكّة يعاني من وجع اليد نفسه الذي امتد إلى الذراع، حتى وصل الرجل إلى الثمانين، وهو في كامل الأدب والاتزان والمحافظة على الصلوات، من دون أن تشوبه شائبة، إلا أن مشادّة بسيطة جرت بين سوسن ونصر على أمر صغير، أوصلت الأمور إلى الطلاق. وقد حصل في هدوء وأدب من الاثنين، بعدما تنازل لها نصر عن السيارة الهمر، وتنازلت له هي عن نصيبها في السوبر ماركت. وزاد الألم في وجه والد سوسن، فانقطع للصلاة في البيت. أما سوسن، فقد شيّدت لأسرتها مقبرة باسم والدها. كانت هي أول من دُفنت فيها من غير مرض، وظل والدها أياماً يردّد هذا المقطع دامعاً: "معقول نصر مايحضرش دفنتها؟ دي أم أولاده؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله".