لئلا يبرد حديد حزب الله

03 سبتمبر 2019
الصورة
تنفّست كل الأطراف المعنية بحالة الاحتقان السائدة في جنوب لبنان، منذ العدوان الإسرائيلي المفاجئ على عقر دار حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتهديد الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، برد انتقامي عاجل، الصعداء أخيراً، وارتضت من الغنيمة بالإياب، وربما تبادلت التهاني الصامتة. إذ يمكن مواصلة الحديث عن توازن الردع النسبي القائم إلى ما لا نهاية، وعن التحدّي والاستجابة وقوة الشكيمة، فيما يمكن لإسرائيل ادّعاء أن حزب الله مردوع، وأنه على عكس ما كان عليه عام 2006، ويعلم حاله هذا علم اليقين هذه المرّة، ولذلك تجنب الوقوع في المصيدة.
وما الحديث الذي تواتر عن رد مدروس ومحسوب وسريع، لتهدئة المخاوف الداخلية اللبنانية، وتحاشي التورّط في حربٍ لا يرغب فيها الطرفان، في هذه الآونة، سوى محاولة لإبقاء حديد حزب الله ساخناً أطول مدة ممكنة، كي يتم طرْقه في لحظةٍ مواتيةٍ للحسابات الاستراتيجية الإيرانية، القائمة على الاستثمار المكثّف في نافذة فرصة ضئيلة، أنتجتها الإيماءات الأميركية الأخيرة، راحت إيران تعولّ عليها كثيراً لاستدراج عرض مفاوضاتٍ جديدة.
وبما أن الانتقام لا يُقدّم على طبقٍ بارد، ويؤكل ساخناً في العادة، فوق أنه لا يستهدف تغيير المعادلات وقلب التوازنات القائمة، وإنما تحقيق انتصار معنوي، أو رد اعتبار ذاتي، فقد كان من الصعب على من يدّعي أن سيفه يقطر دماً، تأجيل الرد إلى ما بعد الاحتفالات بيوم عاشوراء، أو إلى ما بعد انتخابات الكنيست، سيما وأن التأجيل أمرٌ لا تُحمد عواقبه دائماً، ولا يحافظ على كامل مبرّراته بالضرورة الموضوعية، وهو ما استدعى هذا الرد الاستعراضي بكل هذه الانتقائية.
ولكن السؤالين اللذين لا مفر من طرحهما قبلاً هما: ما هو ذلك الهدف الثمين في الضاحية الجنوبية الذي حدا بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ولا نقول نتنياهو، إلى كسر قواعد اللعبة المستقرّة، والتحرش بحزب الله المدجج بعشرات آلاف الصواريخ، ورفع درجة عربدة تل أبيب في شرق المتوسط كله إلى ذروة جديدة؟ وهل الضرر الذي لحق بذراع إيران في لبنان كان بالغ الشدة هذه المرة، إلى حد لا يمكن التغاضي عنه مطلقاً؟ ثم هل كانت الخسائر في ممتلكاته الحربية أفدح مما أصاب الحزب في مئاتٍ من الضربات التي تعرض لها، ولا يزال، على امتداد الأراضي السورية؟
في الإجابة على السؤال الأول، من التبسيط الشديد تفسير كامل التصرّفات الإسرائيلية الراهنة على أساس أنها تنبع جميعها من حساباتٍ انتخابيةٍ محضةٍ لدى بنيامين نتنياهو نفسه، ومع أن هذا البعد حاضرٌ من دون ريب، إلا أنه ليس كافياً لتسويغ مخاطر تعريض الجهة الداخلية الهشّة لردٍّ انتقامي مرجّح، ودفع أثمانٍ بشرية ومادية ثقيلة، قد تُطيح نتنياهو في الانتخابات الوشيكة، وتُحمّله المسؤولية أمام لجنة تحقيق قضائية، الأمر الذي يعزّز فرضية أن الهدف كان ثميناً جداً، مبرّراً وغير خلافي لدى الرأي العام ولدى المعارضة، ويستحق أخذ المخاطرة.
في السؤال الثاني، تبدو الإجابة أكثر وضوحاً من سابقه، بالاستناد إلى ما سرّبته الأجهزة الإسرائيلية عن مشروع تصنيع الصواريخ الدقيقة، من حيثياتٍ تفصيليةٍ مذهلة، ومعلومات، إن صحّت بنسبة خمسين في المائة، فإنها تشي بأن حزب الله، والحالة هذه، مخترقٌ في العمق، ومكشوفٌ إلى أبعد الحدود، بما في ذلك مستودعات ترسانته الصاروخية، وقياداته السياسية والميدانية، الأمر الذي يفسّر لنا كل هذا الاحتدام والغضب، ليس إزاء تخريب ممتلكاتٍ ثمينةٍ في داخل المربع الأمني فقط، وإنما حيال مثل هذا الخرق الذي إن كان صحيحاً، مرة أخرى، فإن من شأنه شل ماكينة الحزب العسكرية، وتقويض صورته، وتبهيت إنجازاته السياسية.
ولعل أكثر ما يخشاه المرء، وهو يراقب هذه الجرعة الزائدة بالثقة في النفس لدى إسرائيل، إن لم نقل طفرة الاستقواء هذه، فضلاً عن كل هذه الاستباحة غير المعهودة للفضاء الممتد من العراق إلى سورية إلى لبنان وغزة دفعة واحدة، أن شرارة انتقام حزب الله الصغيرة أتت معزّزة لنزعة إسرائيل العدوانية، ورغبتها الكامنة في تسوية الحساب المؤجل مع إيران ووكيلها اللبناني، في انتظار صدور أمر العمليات الأميركية.
تعليق: