كيف ننتهي من هذا الصراع؟

22 اغسطس 2018
الصورة
+ الخط -
شهدت بدايات القرن العشرين انهيارات سريعة للدولة التقليدية التي كانت سائدةً في الشرق الأوسط، ودخول الدولة بمفهومها العصري الحديث، وكان لا بد لذلك أن يترافق مع انهيار سريع أيضا للنظم المعرفية المنتجة للفكر ومؤسساته المنتجة، والتي لم يكن دورها ينحصر في تقديم المعرفة، بمفهومها التقليدي فقط، بل ويتعدى الأمر تحكم تلك المؤسسات ببيئة العمل وتقسيمه وتحديد نوعيته.
عدت في أثناء كتابتي لثلاثية مسلسل "الحصرم الشامي" إلى مراجع كثيرة للاطلاع على الحقبة التاريخية التي أكتب عنها (أواخر العهد العثماني تقريبا) فتوصلت إلى نتائج كثيرة، كانت غائبة عني، ولربما ما زالت غائبة عن كثيرين، منها ما يتعلق بالأزياء التي كانت سائدة في تلك الحقبة، فالزي كان بطاقة شخصية مكشوفة ومفتوحة أمام الجميع، تحمل في أسلوبها وشكلها كل ما يريد المرء معرفته عن صاحب الزي بنظرة واحدة، ومن دون الحاجة إلى السؤال والجواب، فالزي كان يحمل كل أنواع الانتماءات التي كانت سائدة في تلك الأزمنة، منها الديني والطائفي (للمسلمين السنة زي وللمسلمين الشيعة كذلك وصولا إلى الطوائف الأخرى كاليهودية والمسيحية)، كما أن الزي يحمل دلالاتٍ تؤشر إلى المكان الجغرافي لصاحبه، فأزياء أبناء السويداء كانت تختلف عن أزياء أبناء دمشق، بل كان الزي هوية تحدّد الانتماء الطبقي لمرتديه، فالفقراء من أبناء حي الميدان اختلفت أزياؤهم عن ملابس التجار المقيمين في حي ساروجة مثلا، إذ لم يكن ينقص صاحب الزي سوى كتابة اسمه الشخصي لتكون بطاقته الشخصية عارية تماما ومكشوفة للجميع.
جلبت الدولة الأوروبية الحديثة، والتي جاءت إلى المنطقة، معها أزياءها التي لا تختلف بما لا 
يُقاس عما كان سائدا، وكانت أقرب إلى الزيّ الموحد الذي يضيع معالم الهوية في الزي القديم (الانتماء الطبقي والطائفي والمكاني)، فقد اقتصر الزي الأوروبي على البزة الرسمية، والتي وحدت الجميع، فلم يعد ممكنا معرفة انتماءات الناس. ولم يكن هذا التبدل سهلا، كما قد يبدو للوهلة الأولى، فهو يحمل، بنظر الغالبية من أبناء البلد (المسلمين السنة)، ضياعا لحقوقٍ كانوا يتمتعون بها سابقا، منها أفضلية الطريق والإحساس بالفوقية، كون الدولة العليا إسلامية الطابع سنية المذهب، فكان الزي الموحد الأوروبي يحمل معه بذور انهيار سيطرة الأغلبية، وشعورها بالتفوّق (الوهمي) على باقي مكونات المجتمع.
لا يتعلق انهيار التفوّق بالزي وحده، فثمة انهيار المؤسسات المسؤولة عن النظام المعرفي، والتي كانت ذات طابع إسلامي صرف بمذاهبه المعروفة (حنبلي- مالكي – شافعي – حنفي واثنا عشري أحيانا)، كمؤسسة الأزهر ودور الإفتاء. شعرت هذه المؤسسات بأن الدولة الحديثة تسحب البساط من تحت قدميها، وترمي إلى تهميشها، بل وإلى طي صفحة تسلّطها على النظام المعرفي إلى الأبد، فتلك المؤسسات كانت المسؤولة عن تخريج كبار موظفي الولاية (القاضي الشرعي – المفتي – الخطيب – المحتسب). وبدا أن دورها يتراجع لحساب المدرسة (بدل شيخ الكتاب) والجامعة (بديلا عن الأزهر)، وكذلك لم يعد العلم مقصورا على العلوم الدينية ومشتقّاتها، إذ دخلت تخصصات جديدة لم يكن يعرفها المجتمع آنذاك، كالحقوق والعلوم السياسية، والطب بمفهومه الحديث، البعيد عن الشعوذة وأعمال السحر. لذلك كان من الطبيعي أن ينشب الخلاف الحاد، والدموي أحيانا، بين المؤسسات الدينية التي تريد الحفاظ على ما أسمته فيما بعد "التراث"، حماية لمكانتها ومصالحها، والمؤسسات المعرفية الجديدة القادمة من الغرب لعصرنة المجتمع، ليساير تطورات الغرب. ومن هنا (قد أكون مخطئا) جاءت دعوات محاربة الغرب، وكل ما يأتي منه، على اعتبار أنه كافر يتآمر على الدين، وعلى الشعوب العربية. وصار الغرب لفظة متلازمة مع الشك والريبة، فكل ما يأتينا منه مدعاة للتوقف عنده، والتفكير بسوء نواياه. وقد أسهمت إصلاحات مصطفى كمال أتاتورك، وإعلانه نهاية الدولة العثماينة، في التخفيف من غلواء المؤسسات الدينية ورجال الدين في حربهم على القادم من الغرب. وجاء إعلان أتاتورك عن قيام دولة تركيا الحديثة، والمؤسسة وفقا للأساليب الأوروبية، بمثابة الضربة العنيفة والقاسية للداعين إلى محاربة الدولة العصرية، وللحفاظ على الدولة 
الإسلامية بمفهومها التقليدي. ولم يكن أمام المؤسسات الدينية غير طريق واحد، وهو عبور التاريخ إلى ما هو أعمق من الدولة العثمانية إلى ما هو سابق على وجودها، خصوصا بعد إعلان انهيارها من داخلها، وفقدانها مكانتها، مثالا يمكن الاستعانة به في هذا الصراع المحتدم، فكان أن عمدت تلك المؤسسات إلى استرجاع التاريخ، وتحديدا إلى حقبة عصرها الذهبي، أي فترة الخلافة الراشدية. وقد كان جمال الدين الأفغاني أول المنظّرين والداعين إلى الدولة الحديثة، ولكن على أسس الخلافة الراشدية وقوانين المستبد العادل. ولم يتخلف عبد الرحمن الكواكبي عن اللحاق بهذا الركب، داعيا بدوره إلى الخليفة (القرشي)، على الرغم من إيمانه بوجوب قيام الدولة على أسس معاصرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى تأثر الأفغاني بالثقافة الفرنسية في هذا المجال، في حين غرف الكواكبي من الفكر الإيطالي.
لم تتوقف المسألة عند حدود العداوة والصراع بين شرق تقليدي، يريد الحفاظ على ما تبقى من هوية الأمة، وغرب حديث، يهدف إلى كسر النظم المعرفية المشرقية برمتها، واستبدالها بنظام حياته ونشره، على أنه الثقافة الوحيدة المتاحة للراغبين باللحاق في الركب الحضاري السائر من دون توقف. انتقل الصراع ليصبح داخليا بين مكوّنات المجتمع العربي ذاته، بل بين مكونات المجتمع داخل الحدود القُطرية لكل دولةٍ داخل الكيان السياسي الواحد الذي تم تأسيسه على المبادئ الأوروبية. وترافق ذلك مع استبدالات هائلة في النظم المعرفية، أدّت، في الحقيقة، إلى تطور كبير في الثقافة والفكر والاقتصاد والسياسة، لكن هذا التقدّم كان يخفي، في طياته، بوادر تراجع دور المثقف وصاحب الرأي والفكر لصالح تطوّر المؤسسات المنتجة للمعرفة والثقافة.
والآن وبعد قرن، ما يزال الصراع قائما بين الطرفين، وبالأدوات نفسها، وحول الأفكار والأهداف ذاتها (مع استثناء الحديث عن تيار ثالث تصالحي)، وكل طرف يشد الحقيقة نحوه. ولعل الملحوظ أن ارتفاع الأصوات المطالبة بالعودة إلى التراث، والحفاظ على الهوية، لا نسمعها إلا في الأوقات التي تمر بها الأمة بأزماتٍ تهدّد وجودها. وبالتالي يصبح السؤال هنا: هل الحفاظ على هويتنا بمزيد من التمسّك بتراثنا، أم بمزيد من الانفتاح على الحضارات الأخرى، وخصوصا المتطوّرة منها؟ هل نلحق بركب الحضارة العالمية عبر نظم معرفية محلية، أم بالاستفادة من النظم المعرفية التي فرضتها الحضارة الحديثة؟

دلالات