كوينتين تارانتينو وسحر سينماه: سخرية وعنف وانتقام

20 اغسطس 2019
الصورة
هوليوود بعيني تارانتينو: اضطرابات الستينيات (فيسبوك)
+ الخط -
كلُّ فيلمٍ من أفلام الأميركي كوينتين تارانتينو (1963) يمتلك سحرًا ما. قلّة عددها (9 أفلام، أحدها في جزءين اثنين، في 27 عامًا) أحد عوامل صناعة السحر ربما. شغفه بقراءة بعض التاريخ الأميركي، وغير الأميركي. سخريته البارعة في إثارة ضحكٍ ومتعٍ، وإشعال غضبٍ وارتباك في الوقت نفسه إزاء مسائل وحكايات. جمالية تصويره العنف الفرديّ، وبعض العنف الفرديّ هذا متأتٍ من عنف جماعة ومؤسّسات وإعلام. نزقه. عشقه غير الموصوف لسينما درجة ثانية. هوسه بالأفلام، تلك التي يُغرم بها منذ مشاهدته إياها بنسخ "في. أتش. أس." في محلّ لتأجير الأفلام. مروره العابر في بعض أفلامه. خياراته التمثيلية، وبعض الممثلين ركنٌ أساسيّ في سينماه: صامويل أل. جاكسون وهارفي كايتل ومايكل مادسن وبروس ويليس وأوما ثورمان وغيرهم، وصولاً إلى ليوناردو دي كابريو وبراد بيت. 

سحرٌ متفاوت التأثير، لكنه حاضرٌ في البناء الدرامي والشكل الجمالي لأفلامه. لن يحول شيءٌ دون إمعانه في السخرية، فهذا أسلوب سينمائي لتفكيك عوالم، ولكسر جدران تُخبّئ أسرارًا وحكايات. سخريته تحمل في طياتها، أحيانًا، نوعًا من الانتقام، فهو بتمكّنه من حرق كبار القادة النازيين في صالة سينمائية فرنسية، يبدو كمن يثأر لجريمة الرايخ الثالث في الحرب العالمية الثانية ("سفلة مجهولون"، 2009). انقلاب الجريمة على الراغبين في ارتكابها، في جديده "حدث ذات يوم... في هوليوود" (2019)، يندرج في الإطار نفسه: 3 تابعين لتشارلز مانسن، المتّهمين بقتل شارون تايت في 9 أغسطس/آب 1969، يتعرّضون لأبشع أنواع التنكيل والتعذيب والعنف، على يدي كليف بووث (براد بيت) وكلبته براندي، في منزل صديقه ريك دالتون (ليوناردو دي كابريو)، الملاصق للمنزل الفخم لـ"آل بولانسكي". رومان بولانسكي، حينها، متألّق، بفضل "طفل روزماري" (1968).

"حدث ذات مرة... في هوليوود" حميميّ وذاتي. فيه نمط من الأفلام يُشكِّل جزءًا أساسيًا من الوعي السينمائي لتارانتينو. فيه خلاصات مساراتٍ مضطربة في أميركا ستينيات القرن الـ20: ثقافة الـ"هيبي" تبلغ ذروتها، ومظاهرات مكثّفة ضد حرب فيتنام؛ ريتشارد نيكسون يخلف ليندون جونسون في رئاسة البيت الأبيض؛ حركة سينمائية تؤدّي إلى "هوليوود الجديدة"، المنتفضة على السينما الكلاسيكية في هوليوود، بـ"انقلابٍ" يضع المخرجين في موقع القرار والسلطة داخل الاستديوهات الأميركية الكبيرة، ما يُتيح لهم صُنع أفلام "راديكالية" في مقاربتها مواضيع ممنوعة بـ"قانون هايس"، الصادر عام 1930 على يدي السيناتور ويليام هايس، والمنفّذ بين عامي 1934 و1966، والمانع إظهار العنف والجنس والعلاقات المثلية ومسائل عديدة.

غير أن تارانتينو، في جديده هذا، منصرفٌ بكثرة إلى مسائل أخرى، وإنْ تنبثق من المناخ العام للستينيات نفسها، أو لعام 1969 تحديدًا. ريك دالتون نجمٌ تلفزيوني يفقد حضوره ويغرق في انتكاسة فنية ونفسية. يحاول متنفّذ في صناعة الأفلام، يُدعى مارفن شوارز (آل باتشينو)، إنقاذه بعرض مشاريع سينمائية منضوية في إطار "وسترن سباغيتي". صديقه كليف بووث يعمل بديلاً عنه في المَشاهد الخطرة، لكنه يبقى إلى جانبه عاملاً في خدمته داخل المنزل وخارجه. يشهدان معًا التحوّل الحاصل في تلك الفترة، ويواجهان معًا تحدّيات ومخاطر وصدامات.

تبدأ الأحداث في الأسبوع الأول من فبراير/شباط 1969، وتنتهي في 9 أغسطس/آب منالعام نفسه، تاريخ جريمة قتل شارون تايت. مَشاهد طويلة عن تصوير دالتون أفلامًا مختلفة، وعن مسارات أخرى لبووث وتايت ومحيطين بهما، والطول يُثير أحيانًا بعض مللٍ، يُتقن تارانتينو إشاعته والخلاص منه في وقت واحد. لكنّ إسرافه في مَشاهد تصوير الأفلام يبدو كأنّه تأكيدٌ مستمر على موقع السينما في نفس تارانتينو وروحه. يُطيل تلك اللقطات كأنّه يريد تنبيه الجميع إلى مدى عشقه السينما، وتمتّعه بها، أثناء اشتغاله في صُنع الأفلام. هو غير آبه بمللٍ ربما يُصيب مُشاهدًا أو أكثر. بالنسبة إليه، السينما فوق كلّ اعتبار، وأسلوبه في تقديمها أهمّ من أيّ أحد، ومن أي شعور أو انفعال لهذا الأحد. يُدرك هو أنّ ما يصنعه يُفرح "قلب الإنسان وروحه"، فيُمعن في صُنع ما يشعر به هو، وما يحبّه ويريحه ويجذبه.

هناك أيضًا شباب الـ"هيبي"، المنتشرون في الشوارع، والمُقيمون في أمكنةٍ تُثير شكوك بووث، أبرزها مزرعة جورج سبان، وفيها عدد من هؤلاء، وبعضهم من تلامذة تشارلز مانسن. يرغب بووث في زيارة المزرعة، الشاهدة على عمله فيها سابقًا أثناء تصوير فيلم مع ريك دالتون (المزرعة حقيقية، وسبان يؤجّرها لتحقيق أفلام هوليوودية حينها).

تشارلز مانسن يظهر سريعًا أمام منزل شارون تايت. شخصيات عديدة تظهر سريعًا بدورها: ستيف ماكوين وكاس إيليوت وميشيل فيليبس وكونّي ستيفنس وبروس لي وسام وانامايكر، وغيرهم. تفسيرات تُروى عن الثلاثي بولانسكي وتايت وجاي سِبرينغ، المزيّن الأميركي العامل مع المشاهير، والصديق السابق لتايت. وأيضًا، هناك ممثلون وممثلات يريدهم تارانتينو معه ولو للحظات عابرة، كآل باتشينو وكيرت راسل وداكوتا فانينغ ومايكل مادسن وغيرهم، وبعضهم معروف في مسلسلات تلفزيونية.

بين السخرية والوقائع والإيقاعات السريعة واللقطات الهادئة، يصنع كوينتين تارانتينو فيلمًا لن يكون من أفضل أفلامه، رغم امتلاكه حساسيات وجماليات وسحرًا. ثقل التاريخ منفلشٌ في أحداثٍ مبثوثة في السياق الحكائيّ، لكنّ تارانتينو راغبٌ في كتابة تاريخٍ آخر بعينيه الثاقبتين والماكرتين، وبنزقه وتمرّده وتفلّته من قيود اجتماع ومرويات "ثابتة"، وبحسّه البصريّ الرائع. يسخر من بروس لي، في مشهد مبارزة يدوية بينه وبين كليف بووث، الأقوى جسديًا منه. يقول تارانتينو إنّ أخبارًا عديدة تكشف تعجرف بروس لي، الذي يهزأ من محمد علي كلاي.

في حوار معه، منشور في المجلة السينمائية الشهرية الفرنسية "بروميير" (عدد مزدوج، تموز/يوليو ـ أغسطس/آب 2019)، يقول ليوناردو دي كابريو: "السينيفيلون جميعهم في العالم فضوليون لمعرفة ما الذي يعمل تارانتينو عليه. هذا يجعلني أفكّر بستانلي كوبريك. هل تتذكّرون تلك الفترة التي يُمسك الناس فيها أنفاسهم بين عملين له، متسائلين عمّا يُمكنه أن يبتكر، فعليًا، في المرة المقبلة؟ كوينتين في الحالة نفسها اليوم: يعتزل 3 أو 4 أو 5 أعوام، ثم يكسر الصمت، مُقترحًا شيئًا غير مسبوق، وفريد من نوعه". يُضيف أنّ للممثلين أمثاله "فضولاً كبيرًا لمعرفة ما الذي سيخرج من تحت قبعته، لكننا نتركه لحاله. نتمنّى فقط أن يتمّ الاتصال بنا، ذاك الذي يُخبرنا أننا مُرحبٌ بنا في عالمه". ألن يكشف هذا، ولو قليلاً، سطوة السحر في اشتغالات تارانتينو؟

يستحيل اختزال 161 دقيقة لكوينتين تارانتينو في كلمات. عوالم كثيرة، وشخصيات كثيرة، وأحداث تاريخية، بعضها مبطّن في طيات السرد، وبعضها الآخر يُظلِّل المسارات الدرامية من دون تأثير مباشر بها. لكنّ تارانتينو بارع في مسألة أساسية: يوهم بأنّه يروي حكاية معروفة وموثّقة لديه، لكنه يبدو كمن يتلاعب بها وبشخصياتها، أو لعلّه يكتفي بالسخرية من أبطالها.
ريك دالتون أناني ومدمن على الخمر، يذرف دموعه بسرعة لضيق أو مأزق. يغضب عند نسيانه جملاً من حواراته، فهذه إهانة له أمام الجميع. لكنه، في النهاية، ينال إعجاب ممثلة صغيرة السنّ تؤدّي لقطة معه، وينال رضى المخرج أيضًا. مع هذا، يبدو الإعجاب به أشبه بسخرية مريرة منه. أو أنّه يتناول، مثلاً، شيئًا من واقع أميركا مع شباب الـ"هيبي"، فإذا به يكشف (أم أنّه مستمرّ بلعبة الأوهام؟) سخرية فظيعة منهم، تصل إلى حدّ اتّهامهم بالسطو على أملاكٍ عامة من مشاركين سابقين في صناعة الأفلام، منعزلين ومتقاعدين من دون أي سؤال عنهم أو دعم لهم. كما أنّه يُلمِّح إلى أنّ الـ"هيبي" يضمّ في صفوفه قتلة، أمثال تلامذة تشارلز مانسن. يُصوِّر اللحظات القليلة السابقة على محاولة العاملين الـ3 لدى مانسن قتل شارون تايت في منزلها، لكنه ساحر في السخرية منهم ومن غبائهم وسلوكهم وارتباكاتهم، قبل أن يُفجِّر كليف بووث فيهم أقسى أنواع العنف. يتوغّل قليلاً في عوالم مشاهير هوليوود، ناقلاً بعض أحوالهم وسهراتهم، لكنه يتفنّن في إلغاء الحدّ الفاصل بين السخرية والواقع والمرارة والضحك.

"حدث ذات مرة... في هوليوود" ـ المعروض للمرة الأولى دوليًا في المسابقة الرسمية للدورة الـ72 (14 ـ 25 مايو/أيار 2019) لمهرجان "كانّ" السينمائي ـ جزءٌ من العالم السينمائي لكوينتين تارانتينو، ومرآة تنعكس عليها صناعة وحركات تمرّد وغضب وانفعالات وتفاصيل.

المساهمون