كوفيد 19 وهشاشة العالم

05 مارس 2020
الصورة
الفيروس يضرب الحركة ببكين (Getty)
+ الخط -


بدت هشاشة هذا العالم واضحة كل الوضوح حيال "فيروس" أقضّ مضاجعه، وأفلت الأمور من عقالها. ويبدو العالم في إجراءاته وردود فعله المرتعشة كأنه يضرب ذبابة بصاروخ كهربائي. 

ولذلك، فإن المتأمل يجب أن يثير السؤال الكبير: لقد تعرض الوطن العربي خلال السنوات العشر الأخيرة لهموم طاحنة، وحروب مستعرة، وقتل وتشريد ونهب وغزو ولجوء وأمراض وإعاقات وإيقاف لحركة الإنتاج، ولكنه رغم كل هذا ما يزال فيه قدرة وهمة على الوقوف، والمشي. ماذا لو لم تُهدر كل هذه الطاقة، وماذا لو وجهت في الاتجاه الصحيح؟

لقد رأينا أسواق العالم في الأسبوع الماضي مضطربة متلاطمة. ورؤساء دول عظمى يتيهون في أبسط الحقائق حول فيروس كورونا، والذي استقر اسمه أخيرا على كوفيد-19 (COVID-19)، وهي دمج لكلمات (CORONA) وَ (VIRUS) وَ(DISEASE)، ورقم (19) هو إشارة للسنة التي ظهر فيه. وخلال الأسبوع الماضي ومطلع الأسبوع الحالي انهارت أسواق المال والبورصات بأكثر من (5) تريليونات دولار في قيمة الأسهم المتداولة فيها.

وقد رأينا مؤشر داو جونز (Dow-Jones) الصناعي الأميركي يهبط من حدود 29.000 إلى 25.000، صباح يوم الاثنين الماضي، إذ خلال خمس جلسات تداول بلغت قيمة الخسارة في قيمة الأسهم الأميركية حوالي (3) تريليونات دولار قبل أن تبدأ باستعادة أنفاسها بعد ظهر نفس اليوم وحققت أرباحاً لم تسجل منذ عشرين عاماً.

ورأينا فيروس كورونا (COVID-19) يضع رؤساء الدول في حرج كبير. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يصرح أن الأمر بسيط، ثم يعود ليصرح بأن إجراءات واستعدادات كثيرة سوف تبذل حتى تبقى الولايات المتحدة في منأى عن هذا المرض.

وتظن أن دول أوروبا بكل استعداداتها قادرة على وقف انتشار المرض، ولكنها لا تستطيع. ودول الخليج التي تنفق مبالغ طائلة لضمان أمن مطاراتها ونقاطها الحدودية يتسلل الفيروس إليها. هذا عدا عن الصين، والهند، والباكستان، وغيرها من الدول.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن ردة فعل الناس في الدول التي تعاني من إصابات كانت الهجوم على أسواق المواد الغذائية والاستهلاكية، وشراء المعقمات والمطهرات والكمامات، حتى أن أزمة الكمامات خلقت سوقاً سوداء يرتفع فيها سعر الكمامة أضعاف سعرها الأصلي. وألغيت المباريات، والمؤتمرات والندوات، أو حُصرت في مكان مغلق بدون جمهور.

ووصل الأمر إلى حد إيقاف العمرة إلى الديار المقدسة من الخارج. وماذا لو استمر سعار الفيروس أشهراً إضافية فهل سيُلغى الحج، ومباريات كأس العالم الكروية في اليابان وغيرها؟

وإذا استمر الحال على هذا المنوال، وتعطلت طرق التجارة، وتوقفت مصانع كثيرة، وهبطت أسعار النفط والمواد الأساسية في العالم، فكم ستبلغ كلفة شلّ الاقتصاد العالمي؟ وهل سيتغير نظام الكون المالي والنقدي؟

إنها لأسئلة محيرة. والسؤال الأكبر لو تركنا لهذا السيناريو أن يأخذ مداه إلى أقصاه، ماذا تستطيع تكنولوجيا المعلومات أن تفعل لإنقاذ العالم؟

لقد اقتربنا من تأليه هذه التكنولوجيا. وغرقنا في التأمل في قوتها، وجبروتها، وطول يدها، وهيمنتها واستغرقنا في وضع سيناريوهات للحديث عن الصراع الدائر بين مالكيها، وفكرنا في أيام قادمة ستكون الروبوتات (Robots) هي المهيمنة على صانعيها البشر. ولكن تبين أن كل هذه الوسائل لا تساوي عقل عالِم واحد قادر على تطوير مضاد لهذه الآفة؟ وقد يجد خطباء المساجد، ووعاظ الكنائس والكُنُس ونُسّاك المعابد والهياكل في هذه الصورة ضالّتهم لتذكير البشر بأن الله فوق كل شيء.
ولم تقف الإشاعات والنظريات عن التوالد. فنظرية المؤامرة لها نصيب وافر من مساحات الإعلام، وبخاصة على المواقع ووسائل الاتصال الإلكتروني. وأطرف نظرية تستحق أن تنتج هوليوود حولها عشرات الأفلام هي أن الفيروس كورونا قد طورته الولايات المتحدة في مختبراتها بحيث يكون ضارباً للأعراق غير البيضاء.

ولست خبيراً بيولوجياً لكي أفتي في إمكانية تطوير هذا الأمر. إلا أنني واثق، أن الولايات المتحدة لن تتآمر لخلق فيروس بيولوجي بدون تطوير الترياق أو المضاد الحيوي القادر على القضاء عليه.

وفي مساء يوم الاثنين الماضي في توقيت الشرق الأوسط صرح الرئيس الأميركي بأن بلاده قد اقتربت كثيرا من إنتاج المضاد لهذا الفيروس ولكنها تحتاج لبعض الوقت قبل أن يتمكن العلماء الأميركيون من إنتاج اللقاح المناسب.

ولكن إذا كان ما جرى هو فحص حامضي لقدرة العالم على الاستجابة مع طارئ مثل الكوفيد-19، فلا شك أن العالم بحاجة إلى تطوير قدراته على المواجهة، وترتيب أموره، وبناء الوسائل الاحتياطية للوقاية.

فسويسرا مثلاً توفر ملاجئ في كل أنحاء البلاد يمكن اللجوء إليها والعيش فيها في حالة حدوث حرب نووية فتاكة، ويتوفر في هذه الملاجئ الطعام والشراب والملابس وغيرها التي تكفي الناس لفترة كافية يكون فيها أثر الإشعاع النووي قد تقلص إلى درجة كبيرة.
فهل نحن بحاجة إلى تطوير صناعة الملابس، والأطعمة، والأمصال، والتي يمكن أن تكون كلها مكونة من عناصر تساعد على الوقاية، والتدفئة، والكفاية الغذائية والصحية التي ترفع من مستوى جاهزية الطوارئ.

لا شك أن العالم الذي يفخر ببنائه مركبات عابرة تنفذ بسلطان أقطار السماوات، والقادر بجهاز صغير لا يزيد حجماً عن كف اليد أن يوصلك إلى أي مكان، والباني لأسلحة دمار شامل قادرة على إنهاء الحياة على الكرة الأرضية في دقائق معدودة، يقف عاجزاً أمام اختبار كهذا.

وماذا لو علمنا بعد أشهر قليلة، أن الولايات المتحدة قد اكتشفت لقاحاً مضاداً، بعد ذلك؟ وهل عودة الهدوء والسكينة ستعيد اقتصادات العالم إلى ما كانت عليه؟ وهل هنالك جهة ما ستحقق مكاسب كبرى بشرائها للأرصدة بأسعار زهيدة، وإعادة بيعها بأسعار عالية؟

سيأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد.

دلالات

المساهمون