كورونا يعيد تشكيل المشهد الكلي

17 مارس 2020
الصورة
قد يكون مبكّرا طرح الاستنتاجات الكبيرة، المتعلقة بتداعيات وباء كورونا على علاقات الإنتاج والأسواق وبنية الاتصال والأفكار والمبادلات بين الأمم والناس، وربما من التعجل بعض الشيء الذهاب بعيداً وراء فرضياتٍ لم يكتمل قوامها والبناء عليها، لا سيما أن تفاعلات الوباء على كل الأصعدة لم تبلغ ذروتها بعد، وأن المخاض الطويل لا يزال في أوله، وينذر بمزيد من المصاعب والخسائر والتحدّيات، ما يحمل على الاعتقاد أن العالم يقف أمام منعطف كبير، من شأنه أن يعيد تشكيل المشهد الراهن، بما في ذلك مجريات الحياة اليومية، وعلاقات القوى والتوازنات البينية، على امتداد خشبة المسرح الدولي، وأن يؤسس، في نهاية المطاف، محطة فاصلة بين زمنين.
يتوقف الأخذ بهذه الفكرة الاستشرافية لمستقبلٍ يتكون في أفق قريب، ومناقشتها من ثمّة في إطار أوسع، على تحقق عنصرين أساسيين: أولهما انتشار الوباء، ليس في الصين وأوروبا الولايات المتحدة فقط، بل في مزيد من دول العالم الثالث، حيث الأنظمة الصحية المتهالكة والموارد الذاتية الشحيحة، وفوق ذلك ثقافة التجاهل والإنكار، ما يعني، والحالة هذه، حدوث الكارثة الموصوفة بعينها. وثانيهما انقضاء فترة طويلة نسبياً، قبل التوصل إلى ابتكار مصل ناجع للسيطرة على فيروس لم تُشخّص مكوناته بعد، ولم يتم بناء خطوط دفاع ضده، سوى بالحجْر الصحي والحبس المنزلي، وهما خطان مؤقتان.
وبما أن كل أزمة تنطوي على فرصة، فإنه بقدر ما يشكل هذا الوباء تحدّياً للمجتمعات والدول في الشرق والغرب، على اختلاف درجات تقدّمها العلمي، ومواردها الطبيعية، وإرثها الحضاري، بقدر ما يشكّل تحدّي كورونا هذا فرصة نادرة لتسريع مجرى التحول الطبيعي، الجاري بوتيرةٍ منخفضة، ولكن باتجاهٍ واضح إلى الأمام، هذا التحول المحمول على جناح مخرجات ثورة التكنولوجيا الرقمية، على نحوٍ يُفضي، في وقتٍ غير بعيد، إلى إعادة ترتيب الأولويات والأفضليات، ويغيّر مبنى المبادلات التجارية، والنظم التعليمية، وأنماط الاستهلاك وتقديم الخدمات.
إذ على الرغم مما تؤدي إليه هذه الآفة من اضطراب واسع وخسائر فادحة، وما تُنذر به من مضاعفاتٍ على مختلف الصعد وشتى المجالات، فإنها تحمل في أحشائها بشائر بقرب حدوث التحوّل المنشود، شأن ما سبقها من آفاتٍ مماثلة وقعت على مر العصور، حيث أسّس معظمها لتحولاتٍ لا تقل أهمية عما أسّسته حروب كبرى، وما خلّفته الكوارث الطبيعية من تغيّرات، خصوصاً إذا تفاقم الوباء أكثر فأكثر، وراح يهدّد حيوات الملايين، على نحو ما يشي به الحال في أوروبا وأميركا، وإذا ما انهارت المنظومات الصحية، وعجزت التدابير العلاجية عن احتواء النتائج الكارثية في زمن منظور.
ولعل الآثار النفسية الناجمة عن سرعة تفشّي هذا الوباء، وفي القلب منها حالة الهلع المستشرية يوماً بعد يوم، أشد وبالاً على الناس، وأكثر فداحةً على مراكز المال والأعمال، مما أفرزته أوبئة لا تقل خطورة عن وباء كورونا، وقعت في زمن ما قبل انفجار ثورة الاتصالات، حيث لا ندري كيف تعامل البشر مع آفة الأنفلونزا الإسبانية التي أصابت نحو 500 مليون إنسان، وأودت بحياة نحو مائة مليون منهم، قبل نحو قرن. كما لا نعلم كيف تصرّفت البشرية أمام جائحتي الملاريا والطاعون، ولا كيف تدبر الناس أمورهم مع الجذام والسل والحصبة والكوليرا أيام زمان.
قد يكون من حسن الحظ أن وباء كورونا، الموصوف جائحة عالمية، قد وقع في عصر تم فيه اكتشاف المطاعيم والأمصال، وتقدّمت في غضونه النظم الصحية، وارتقت معه المعرفة والعلوم والمنظومات الإدارية. وربما من حسن الطالع أيضاً أن هذه الجائحة حدثت في عصر الواقع الافتراضي الذي يقدم بدائل أيسر، ويطرح ممكناتٍ موازيةً لما هو جارٍ في الواقع الحقيقي، لا سيما على صعيد الخدمات التعليمية والإعلامية، والأعمال المكتبية، فضلاً عن التجارة الإلكترونية، والمعاملات المصرفية، والدفع الإلكتروني، والمضاربات في الأسهم والبورصات، وغيرها من خدماتٍ باتت تقدّم عن بعد.
غير مرجّح أن يحدث هذا التحول الإجباري لصالح الواقع الافتراضي في مدى قريب، وأن يقع هذا التغير في غمرة فائض الاضطراب الراهن، إلا أن المرجّح، في المقابل، أن تملي الحقائق والتجارب والعبر نفسها على منطق الأشياء، ولو بالتدريج، وأن يفرض التطور الحتمي ذاته على السياق الطالع من لجّة هذا الوباء سريع الانتشار، وأن يتساوق الواقع الآخذ في التشكل بحكم الضرورات، مع الحاجة إلى التكيّف الإجباري، وإعادة هندسة المشهد العالمي، وما يفضي إليه كل هذا وذاك من تغيراتٍ تطاول القيم والمُثل والنظم والمفاهيم والأفكار المنتمية إلى عالمٍ بدأ يُخلي مكانه، بتؤدة، لعالم جديد، أحسب أن بصمة فيروس كورونا ستكون حاضرة فيه.
تعليق: