كورونا حبسُنا .. ومرآتُنا

05 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
تعني مفردة كورونا بالعربية (وفي كل اللغات) إكليلا. وعادةً يرمز الإكليل على مر العصور إلى النجاح، كأن يكرم فائز بشهادة ما أو لاعب في مباراة رياضية، أو يرمز إلى النصر، كأن يكلّل بالغار منتصر في معركةٍ عسكريةٍ كما كان يحصل في زمن الإمبراطورية الرومانية، أو يكلّل صدر قائد مظفّر بالأوسمة والنجوم.. ولكن هذا الإكليل نفسه يستعمل أيضا في المناسبات الحزينة لتكريم الموتى، ومواكبتهم إلى مثواهم الأخير. الإكليل إذا هو رمز للفرح والحزن في آن معا، من شأنه أن يجمع بين طياته مشاعر الناس وعواطفهم وأحاسيسهم وأفراحهم وأحزانهم، وعفويتهم وقدريتهم وعبثيتهم، وجنونهم وخوفهم وهواجسهم و... فلماذا أطلق الصينيون على هذا الفيروس اسم "كورونا"؟ ليس بالتأكيد تيمنا برمزيته الأولى، نظرا للضحايا التي حصدها وللرعب الذي يثيره في كل العالم. فهل لرمزيته الثانية؟ أي أنهم كانوا يعلمون أنه سيؤدي إلى حبس الناس في بيوتها وإلى حبس أنفاسها؟ فهل كانوا يريدون الاقتصاص من بلد ما بحسب خرافاتٍ متداولة؟ أم أنهم فقدوا على الأرجح السيطرة عليه، فهرب وانتشر بعيدا وتغلغل، ليختبر بنفسه أجساد الناس، وصحتهم وأعصابهم ونفسياتهم! 
تختصر كورونا فعلا واقع حال الناس هذه الأيام، المعزولين في منازلهم أو الموضوعين في الحجْر الصحي، في مختلف أنحاء العالم. العزل في المنزل وعدم الخروج يفقدك معنى الزمان والمكان، ويضعك أمام مهمة شاقة، هي صياغة نظام ونمط حياة جديدين، تشوبهما الرتابة والملل مع مرور الأيام. لا أحد تلتقيه، ولا أحد تلقي عليه التحية، تتجاذب معه أطراف حديث أو تتبادل 
معه رأيا أو تناقش معه فكرة، ولا أحد تجادله. تُحرم من التواصل والتفاعل، لتشعر بشيءٍ من التكامل وتحقيق الذات. يبقى لك الهاتف الخلوي الذي يعوّض لك الصوت عن الصورة، وهو في الأساس مسيطر على كثير من وقتك وانتباهك وحواسّك، ومستنفد قدراتك الذهنية والتركيزية قبل الهجوم الكوروني. تلجأ إلى الكتاب (خير جليس في الزمان كتاب). تبدأ بمطالعة الصحف صباحا على الإنترنت (وعدت وزارة الاتصالات بتقويته وتسريعه، لكي تساعد الناس على الصمود في منازلها والطلاب على متابعة تحصيلهم العلمي عن بعد من البيت لكنه بقي وعدا)، ثم تنتقل إلى قراءات متنوعة تاريخية وروايات أدبية، إذ تقرأ كتبا لم يتسنّ لك قراءتها من قبل، أو تعيد قراءة كتبٍ سبق لك أن قرأتها، مثل رواية ألبير كامو "الطاعون" (من وحي المناسبة)، أو كتاب مارسيل بروست "بحثا عن الوقت الضائع"! تستمع بين هذه وتلك إلى الأخبار التي تدور هذه الأيام في معظمها حول انتشار كورونا في بلدان أوروبا وأميركا والدول العربية وإيران، وكم بلغ عدد الضحايا، وكيف أن أميركا ترامب تتهم الصين بنشر الفيروس "نتيجة خطأ مخبري بالتواطؤ مع أحد الباحثين الكيميائيين الأميركان"، ثم تسمع، في المقابل، خامنئي يتهم أميركا "بإنتاج كورونا خاص لإيران"!. تنتقل إلى المطبخ لتتسلى بعض الشيء بممارسة الطبخ، محاولا تعويض عدم مد يد العون لزوجتك في الأيام العادية، فيطلع نصيبك وقفة جلي الصحون ساعة كاملة تُحدث لك ألما في الظهر. تشعر مجدّدا أنك محاصر بهذا الوباء اللعين، يلاحقك من غرفة إلى غرفة، في كل مكان وفي كل وقت. ثم يبدأ الضجر يفعل فعله بك، ومع من حولك، فهذا ابنك الذي يأتي إليك حاملا أسئلة في السياسة وأنظمة الحكم والوجود، ثم يلقي عليك السؤال المصيري -المستقبلي حول ما يصفه جمهور الناس الذي ينقاد للزعيم؟ وهو الذي نشط طوال الأشهر الماضية، قبل تسلل الفيروس إلى ديارنا، في صفوف ثورة شعبية عارمة على سلطة سياسية فاشلة وفاسدة ومرتهنة ووقحة. فكيف تجاوبه، تحاول أن تقدّم عرضا تاريخيا وسوسيولوجيا للعلاقة بين السلطة والجمهور، وكل "عدّة الشغل" التي يتم استعمالها لتخدير الناس وتطويعها. ولكنه يريد جوابا سريعا ومقتضبا، جوابا على طريقة "الوجبة الجاهزة"، جوابا "إلكترونيا" من وحي عصر وجيل إنترنت اليوم الذي لا صبر لديه لسماع تحليلك الذي تكوّن وعيك عليه، وما عشته في تجربتك زمن العمل السياسي. يكيل لك الصاع صاعين. عندها يتحوّل الحوار إلى جدال، ثم إلى صراخ، لأنه لم تعد لديك الرغبة ولا طول البال في مناقشةٍ تريد أنت أن تديرها على طريقتك، فيما ابنك يعاندك بقوة ويقف أمامك مجادلا كأي شخص آخر، وليس كابن أمام أبيه. لأن ابنك يبقى ابنك، وعليه أقله أن يحترمك ويسمع لك. تبدأ بفقدان أعصابك وتنهي النقاش العقيم. تستريح قليلا، ثم تعود لتتناول فنجان قهوة مع شريكة حياتك، ويدور الحديث والدردشة في الهموم اليومية والمستقبلية وتخوف الزوجة من أن يلجأ الأولاد إلى الهجرة قرفا ويأسا من واقع البلد والمصير، كما يردّدون من وقت إلى آخر، وبين هذه وتلك خبرية تلو خبرية عن الأهل والأقارب والأصدقاء والضيعة، وضرورة القيام ببعض الواجبات الاجتماعية، كتهنئة من تزوج ودعاك أهل العرسان إلى حفلة العرس ولم تذهب، أو وبالأخص تعزية من فقد عزيزا من الأصحاب أو المعارف. وهنا يبدأ تبادل الآراء عن نوع الهدية للعروسين أو عن الثياب التي تليق بالمناسبة، ثم يتحول إلى سجال ينتهي بعدم الاتفاق على أي خطوة أو قرار.
تحاول أن تغيّر المزاج، تقرّر الخروج إلى السوبرماركت، لشراء حاجياتٍ تعينك على الصمود، في سهرات زمن العزل مع فيلم من أفلام زمن السينما الجميل مثل "سقوط روما" أو ثلاثي 
"الطيب والقبيح والشرير" وموسيقاه الرائعة، أو الفيلم الذي أنتج حديثا "البابوان"! تخرج وسط أجواء شاحبة، يشوبها شعور بالوحدة، وطريق مقفرة تحت رقابة "مطاوعي" الأمن للنهي عن التجوّل، وتصادف قليلا من المارّة الذين يتوجهون مثلك لشراء حاجاتهم. وأمام المحل يواجهك طابور ينظم عملية الدخول، ليس لكثرة الناس، وإنما لمنع دخول أكثر من خمسة أشخاص دفعة واحدة. ثم على المدخل، يستوقفك موظف ليؤكد على ضرورة ارتداء القفازين ووضع الكمّامة، وهما إجراءان لا طاقة لك بهما لما يثيران من إحساس بالتكبيل وضيق النفس. تقف أمام قسم اللحوم، وأنت موسوس من العدوى، فتبدأ الطس والرش على يديك من المسحوق السحري الذي حشرته في جيبك عند خروجك من المنزل، تنتقل إلى قسم الخضار والفواكه وتمارس الاحتياط - الوسواس نفسه، وهكذا دواليك..
تعود مسرعا إلى المنزل، بعد أن تكون قد توهمت أنك وجدت مسربا، ولو قصيرا للخروج من العزلة، وما يلازمها من جزئيات وصغار الأمور المنزلية، وإذ بك مجدّدا أمام الروتين الذي في وسعك أن تتحمله يوما واثنين وأسبوعا وأسبوعين، أما أكثر من ذلك فتصبح أيامك مملة مضجرة قاتلة، ليس لأنك اعتدت على الخروج كثيرا أو على قضاء معظم وقتك خارج المنزل، إذ إن ما اعتدت عليه هو طبعا دوام العمل ثم العودة. ما يزعجك ويثير عندك الشعور بالاختناق هو هذا المنع، هذا الفرض، عليك أن تقيم في عزلةٍ لم تخترها، هذا التقييد في النهاية لحريتك وإجبارك على العيش محتجزا ومهدّدا بوباء خبيث داهم وغير مرئي، وممكن أن تكتشف فجأة أنه فتك بك، فتذهب وتقف أمام المرآة، لتجد أنك ما زلت كما أنت حتى إشعار آخر.
هذا هو العيش في زمن كورونا، بين حدّي الحياة والهلع من المجهول وما بينهما.

دلالات