كنز أميرة زنجبار

11 مايو 2020
الصورة
شهد القرن التاسع عشر زيادة في الرحلات الاستكشافية الأوروبية إلى الشرق والوطن العربي، بغرض التمهيد لاستعماره ثم الهيمنة المطلقة عليه. وفي هذا السياق، أُلِّف عدد هائل من الرسائل والتقارير والدفاتر واليوميات، وكانت هناك، من طريق معاكسة، وبما يشبه سباحة ضد التيار، أميرة عُمانية من زنجبار، تشقّ، برفقة زوجها الألماني، رحلة إلى أوروبا لتقيم فيها، ولتنقل إلينا بالتالي، في مذكرات ثلاثية الأجزاء، تفاصيل دقيقة من الحياة في ذلك القرن.
وقد صدر في عام 2015 عن دار الجمل (بغداد، بيروت)، وبترجمة عن الألمانية، أنجزها زاهر الهنائي، الجزءان الثاني والثالث من مذكّرات سالمة بنت السيد سعيد. وإذا كان الثالث صغيراً (112 صفحة مليئة بالصور، المذكرات 35 صفحة)، ويتعلق بشذراتٍ من حياتها في بيروت ويافا، حين أقامت فترة في كنف ابنتها هناك، فإن الجزء الثاني هو الأهم، ليس نظراً إلى حجمه المتوسط (224 صفحة) فحسب، بل للتفاصيل الوافرة التي احتواها هذا الجزء من حياة مؤلفته.
كنا نظن أن أميلي رويته (الاسم الألماني لسالمة بنت السيد سعيد) لم تترك لنا سوى كتابها "مذكرات أميرة عربية" المكتوب بالألمانية، والذي ترجم إلى مختلف اللغات، ونقلته إلى العربية السورية سالمة صالح، وكان قد ترجمه قبل ذلك العراقي عبد المجيد القيسي. وقد ركّزت في هذا الجزء على حياتها الأولى وطفولتها، حيث ولدت عام 1844 في قصر يطلق عليه "بيت متوني"، وهو أول قصر يبنيه والدها سعيد بن سلطان البوسعيدي في زنجبار الأفريقية، وكانت تكنّ له حباً وتقديراً كبيريْن، حتى أنها أطلقت اسم سعيد على ولدها الألماني. وكان سعيد بن سلطان يدير مملكته الواسعة من أفريقيا، وتحديداً من الجزيرة الجميلة، زنجبار. فبالإضافة إلى "عُمان الكبرى" موطنه الأول، كانت تحت إدارته أجزاء من البرّ الأفريقي، إضافة إلى سواحل وموانئ من الهند وإيران. وقد وصفت سالمة، في مذكّراتها الأولى، تفاصيل دقيقة (عدّت وثيقةً نادرة) من حياة القصر الذي عاشت فيه، حين كان والدها على قيد الحياة.
وإذا كانت المذكّرات في قسمها الأول تضعنا في محيط أفريقي شرقي، فإن اكتشاف أجزاء أخرى من مذكّراتها عُدَّ بمثابة كنز، حيث إنها كانت، في الجزء الثاني مثلاً، تتحدّث بإسهاب عن حياتها في فرنسا ثم ألمانيا، وعن تفاصيل ما قاسته من نكبات، بعد أن مات زوجها نتيجة سقوطه من قطار، وعن تلك الأوقات العصيبة التي كانت تقضيها معه في المستشفى، إلى أن فارق الحياة، وما تكبدته من معاناة في أثناء مرضه. وفي ذلك أطلقت مقولتها التي تتساوق مع ما نشهده الآن في ظل جائحة كورونا: "إن المرء في أوروبا يولد ويَربى لكي يخضع ويستسلم لآلاف القيود التي تمسّ الحرية الشخصية وتجعل من الفرد مجرد رقم".
لم تعش سالمة مع زوجها فريدريك الذي تكنّ له حباً شديداً سوى أربع سنوات أنجبت فيها بنتين وولداً. وكان زوجها سندها الحقيقي في الحياة الأوروبية القاسية التي اضطرتها بعد موته، في بعض الفترات، إلى إسكات جوع أولادها بالخبز الأسود والحليب.
وهناك أهمية توثيقية كبيرة للمذكرات في قسمها الأوروبي، لاشتمالها على تفاصيل دقيقة ومدهشة من الحياة في أوروبا في القرن التاسع عشر. ومن غرائب ما يمكن أن يقرأ في هذه المذكرات، ذلك الفضول الاجتماعي الذي قد لا يتناسب مع مجتمعات الحداثة، وكان يتمتع به الإنسان الأوروبي في ذلك الزمن، فحين كانت سالمة، مثلاً، تنتقل مضطرة من مدينة إلى أخرى، كان سكانها يحتشدون لكي يتعرفوا إليها، وكانوا يدعونها إلى بيوتهم ويزورونها، وهو ما كان يضايقها كثيراً. وهي تصرّفات اجتماعية حميمية غدت نادرة حتى في مدننا وقرانا العربية. ففي مرّة اجتمع لاستقبالها في محطة القطار عشرات القرويين، حين كانت منتقلة من مدينة هامبورغ إلى قرية رودولشتات. وتضمنت المذكّرات أيضاً صوراً لعائلة سالمة في مختلف الأعمار إلى أن توفيت عام 1924 في ألمانيا، ودفنت مع كيس من رمل موطنها الأول أحضرته معها من زنجبار، تلك الجزيرة الخضراء التي طالما ذكّرتنا الحياة فيها، ثم فقدانها الفاجع، بنوستالجيا زمان الوصل الأندلسي.
تعليق:
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي