كمامات كورونا... عبء جديد على المصريين وسط مصاعب اقتصادية

01 يونيو 2020
الصورة
إلزام المواطنين بارتداء الكمامات منذ السبت الماضي (Getty)
+ الخط -
"ناكل ونشرب؟ ولا نشتري كمامات؟"، "بصراحة، أنا بأغسل الكمامة الطبية وألبسها تاني. ميزانيتي ما تستحملش".. "محتاج حوالي ألف جنيه في الشهر علشان اشتري كمامات لأسرتي. منين؟". 

هكذا جأر مصريون بالشكوى مع بدء إلزام الحكومة المواطنين باستخدام الكمامات في المواصلات العامة والمصالح الحكومية والأسواق الشعبية في إطار جهود مكافحة فيروس كورونا.

أعباء الكمامة التي يشدد الخبراء على أهميتها للحد من انتشار الوباء تجيء في وقت ما زال ملايين المصريين يعانون فيه من المصاعب التي جلبها تحرير سعر الصرف في أواخر 2016 وما رافقه من ارتفاع الأسعار وتحرير أسعار الكهرباء والمواد البترولية وغيرها منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم قبل نحو ست سنوات.

وقد تسببت أزمة كورونا في تداعيات اقتصادية وخيمة في مصر، إذ توقف قطاع السياحة الحيوي للتوظيف وأثر سلباً على تدفقات النقد الأجنبي عموما، فضلا عن تقلص معدلات النمو.

وفي طريقها نحو إعادة فتح الاقتصاد في منتصف يونيو/ حزيران، فرضت الحكومة غرامة 4000 جنيه (253 دولارا) على من لا يستخدم الكمامة. وشنت وزارة الداخلية بالفعل حملات بأنحاء البلاد لضبط المخالفين ومنعت محطات مترو الأنفاق دخول من لا يضعها.

وتراوح أسعار الكمامات الطبية العادية بين خمسة جنيهات (0.32 دولار) للقطعة وعشرة جنيهات، ولا يشمل هذا الكمامة من نوع N95، التي يصعب العثور عليها ويقترب سعرها من 200 جنيه.

وإضافة إلى العبء المادي، يواجه بعض المصريين صعوبة في الحصول على الكمامة، إذ لم تكن متوفرة في بعض الصيدليات عندما حاول مراسلو وكالة "رويترز" شراء كمامات في القاهرة الكبرى وأسيوط والمنيا.

وقد يكمن الحل في الكمامة القماشية، إذ أعلنت الحكومة في وقت سابق هذا الشهر عن طرح كمامات مصنوعة من القماش بسعر خمسة جنيهات عبر مصانع الملابس بمواصفات قياسية من وزارة الصحة بحيث تكون آمنة وصالحة للاستخدام لمدة شهر، لكن إنتاج تلك الكمامات لم يبدأ حتى الآن.

وقالت نيفين جامع، وزيرة التجارة والصناعة، في بيان صحافي، أمس الأحد، إن مصر تستهدف إتاحة حوالى 30 مليون كمامة شهريا لتلبية احتياجات السوق المحلي، مضيفة: "سيتم خلال الأيام القليلة المقبلة البدء في عملية الإنتاج، حيث سيتم تصنيع 8 ملايين كمامة من القماش كمرحلة أولى".

وأوقف جهاز حماية المستهلك منذ أيام قليلة إعلانات عن كمامات قماش لواحدة من أكبر شركات الملابس الداخلية بمصر، قائلا إن تلك الكمامات غير مطابقة للمواصفات القياسية.

وقال مجدي غازي، رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية بوزارة التجارة: "بعض المصانع كانت تصنع بالفعل كمامات من الأقمشة قبل جائحة كورونا لكنها غير طبية وتُستخدم في الوقاية من الأتربة".

وإلى أن يبدأ طرح الكمامات القماشية سيضطر المصريون إلى استخدام الكمامات الطبية بكلفة قد تصل إلى بضع مئات من الجنيهات للأسرة الواحدة شهريا.

تقول آية مجدي، المعيدة في كلية التربية بإحدى الجامعات الخاصة وتعيش بمحافظة بني سويف، وسط البلاد: "كلفة الكمامات حاليا تشكل عبئا على الميزانية الشهرية... ننتظر إنتاج الكمامات المصنوعة من القماش نظرا لكلفتها المنخفضة واستدامتها".

وستجبر الكمامة الكثيرين على إعادة ترتيب أولويات الشراء التي خرجت منها سلع عديدة في الفترة الأخيرة بسبب الغلاء. ويقول عصام سعيد، وهو موظف بمديرية التربية والتعليم في محافظة بني سويف: "محتاج أوفر يوميا 30 جنيهاً لأسرتي المكونة من ستة أفراد لشراء ست كمامات... أي بمعدل 900 جنيه شهريا، وأنا راتبي كله 2200 جنيه... طيب إزاي؟".

وتشير أحدث البيانات الحكومية المتاحة إلى ارتفاع معدل الفقر في مصر في السنة المالية 2017/ 2018 إلى 32.5%، بينما تقدره  جهات مستقلة ومؤسسات مالية دولية بأكثر من نصف سكان البلد الذين تجاوز إجماليهم 100 مليون نسمة.

وتعاني الأسواق في مصر من مشاكل في الانضباط والرقابة، فتجد العديد من الباعة الجائلين أمام محطات مترو الأنفاق ومواقف حافلات المحافظات وعند البنوك والمصالح الحكومية يبيعون كمامات قماشية مجهولة المصدر.

يقول جمال عبد الخالق، الموظف بجمعية زراعية في محافظة كفر الشيخ بشمال مصر، ساخطا: "كل اللي كان ناقصنا إننا نعمل ميزانية للكمامة اللي بخمسة جنيه ونستخدمها مرة واحدة في اليوم!".

وفي محافظة أسيوط بصعيد مصر (جنوب)، يقول محمد حلمي: "إلزام المواطنين بشراء كمامة يوميا واقع مؤلم ماديا، بالإضافة إلى الإجهاد في البحث عنها لأنها غير متوفرة بشكل كامل".

كان البنك الدولي قد قال في تقرير صدر في إبريل/ نيسان 2019، إن حوالي 60% من المصريين إما فقراء أو منكشفون على مخاطر الفقر، وإن التفاوتات الاقتصادية في تزايد.

وفي المنيا، على بعد 260 كيلومترا إلى الجنوب من القاهرة، قال منير زهير، وهو موظف: "بحسبة بسيطة وجدت أنه كي نتبع التعليمات الصحية الدقيقة مطلوب مني توفير نحو ألف جنيه من دخلي لشراء الكمامات شهريا وهو ما يفوق قدرتي بالتأكيد".

أما أحمد رمضان، من مدينة الإسكندرية (شمال)، فيشكو من الكلفة وأيضا من عدم الثقة في أنواع الكمامات قائلا: "الأمر أصبح مكلفا، خاصة في ظل تفاوت أسعار الكمامات واختلاف أنواعها... أصبحت أشك في جدوى جميع أنواع الكمامات... تخيل أن أسرتك مكونة من خمسة أفراد فكم سيتكلف ارتداء الكمامات شهرياً؟".

وعادت موجات الغلاء من جديد، في ظل تراجع سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، في البلد الذي يعتمد على الاستيراد لتلبية الكثير من احتياجاته.

وتراجعت العملة الوطنية إلى أدنى مستوى أمام الدولار الأميركي في ثلاثة أشهر، متأثرةً بتداعيات تفشي الوباء الذي يضرب بقوة قطاعات حيوية تمثل مصادر رئيسية للنقد الأجنبي، بينما لم تحد القروض الكبيرة التي حصلت عليها الحكومة في الأيام الماضية من هبوط العملة الوطنية، التي يتوقع مصرفيون ازدياد حدته في الفترة المقبلة.

ووصل سعر الدولار في البنوك إلى نحو 15.81 جنيهاً، بينما قفز في السوق السوداء التي عادت إلى المشهد في الأسابيع الأخيرة إلى نحو 16.70 جنيهاً، في فارق كبير عن السعر الرسمي، وفق متعاملين في سوق الصرف تحدثوا إلى "العربي الجديد".

وإلى أن تتوافر كمامة قماشية يمكن استخدامها أكثر من مرة وبسعر في المتناول، يجد بعض المصريين العزاء في أن ملابسهم قد تعفيهم من استخدام الكمامة بصرف النظر عن المخاطر الصحية.

تقول فاطمة نور، وهي بائعة خضروات بكفر الشيخ (شمال)، إن مشكلتها محلولة لأنها تضع النقاب لكن زوجها عامل النظافة لا يُصرف له بدل عدوى ولا يستطيع شراء كمامة يوميا بخمسة جنيهات، وإن كانت جهة عمله تسلمه واحدة من حين لآخر. وتتساءل "إيه الأحسن لنا؟ نشتري الكمامة ولا ناكل ونشرب؟".

المساهمون