قيس عسالي: اليوم التالي للنكبة

09 نوفمبر 2016
الصورة
"أوسلو زونز"، عمل تركيبي، أوسلو 2015
+ الخط -

"أيهما أجمل "هون" أم "هناك"؟"، سؤال يمكن وصفه بالفولكلوري في الوعي الفلسطيني الجمعي، الذي بدوره شكل بداية وعي خاص لدى الفنان التشكيلي الفلسطيني قيس عسالي (1987)، عند كل زيارة كانت تقوم بها عائلته - المقيمة آنذاك في الخليج - إلى مدينة نابلس في فلسطين المحتلة.

"الإجابة لم تكن بسيطة كما يبدو السؤال. لم تكن مقارنة عادلة مقنعة بين مكانين، حيث لم ترمز فلسطين فقط للمكان، بل للفكرة والمفهوم، رمز يحمل بداخله العديد من الرموز الأخرى، والتي في بعض الأحيان يساء استخدامها". هكذا يصف الفنان لـ"العربي الجديد"، علاقته الإشكالية مع السؤال والرمز في الوعي الفلسطيني، لتبدأ الأسئلة بصياغة وبلورة وعيه الشخصي، الذي عبّر عنه من خلال معالجة فنية معاصرة، في عمليه التركيبيين "أوسلو زونز" و"في اليوم التالي - 1948" (حاز الجائزة الأولى في مهرجان "فلسطين الداخل" في فرنسا)، وكلاهما أنتجا في 2015.

من غير أن يقصد، فإن مشروع عسالي منذ سنوات، يركز على أعوام شكلت مراحل ومحطات تاريخية مفصلية في الوعي الفلسطيني، وهي: 1948، 1967، 1993. يتقصى قيس في أعماله بتأن شديد، ومن زوايا مختلفة، الرموز في الوعي الوطني الفلسطيني، فالعام 1948 تخطى الإشارة الزمنية متحولاً إلى رمز وطني وحدث يُؤرَّخ بما قبله وما بعده، وهوية لبعض الفلسطينيين (من ظلوا في فلسطين المحتلة عام 1948)، مدفوعاً بالتساؤل عن مسار الرموز الوطنية وإفراغها من مضمونها الإنساني وتحويلها إلى مجرد كليشيهات.

يقول عسالي لـ"العربي الجديد": "أحاول في عملي تقديم رحلة تبدأ كصورة متوقعة في عين المشاهد سرعان ما تتكشف حقيقتها لتدل على ما وراءها من خلال عملية إعادة سردها وصياغتها. هي أيضاً أسئلة متعلقة بالمسلّمات الوطنية، والتي تُظهر اهتمامي الشخصي النابع من ذاكرة طفل فلسطيني نشأ في الخليج العربي، من خلال استحضار تاريخ العلاقة الإشكالية ما بين هوية الإنسان الفلسطيني وباقي العالم".

على مدار عامين عمل عسالي على مشروعه الفني باحثاً في الأرشيف البصري والصحف عن أحداث أخرى في العالم وقعت عام 1948، ليقدّم عمل فيديو من مقاطع تصويرية مأخوذة من أحداث ذلك العام؛ كالألعاب الأولمبية في بريطانيا، وحفل توزيع جوائز الأوسكار.

أما القسم الثاني من العمل، فاعتمد فيه على متابعة المساحة التي خصصتها بعض أبرز الصحف العالمية التي صدرت في اليوم التالي للنكبة، 16 أيار/ مايو 1948، مظلِلاً بالأسود المساحة التي خصصتها تلك الصحف على صفحتها الأولى لتغطية الحدث "النكبة"، مختصراً مشهداً سوداوياً يظهره تباين المساحة المظللة بين جريدة وأخرى.

أما في "أوسلو زونز"، فلا يبتعد عسالي عن المشهدية الخاصة به، التي يعيد من خلالها تفكيك وإعادة تركيب الرموز المرتبطة بالقضية الفلسطينية، أثناء مشاركته في تبادل طلابي في العاصمة النرويجية أوسلو، متسائلا من جديد عن معنى وجوده في مكان يعد واحداً من الرموز الفلسطينية السلبية، هوية لجيل من الفلسطينيين "جيل أوسلو".

فكرة العمل جاءت بمحض الصدفة، عندما أراد قيس شراء بطاقة مواصلات في العاصمة النرويجية أوسلو، فسأله البائع لأي "زون - نطاق" يريد البطاقة، فأجابه: "لكلّ مناطق أوسلو".

تلك الحادثة كانت مفتاحاً لتنفيذ عمله عبر تصميم دليل إرشادي للمدينة يتضمن نص "اتفاقية أوسلو" المشؤومة بديلاً عن خارطة شوارعها ومحطاتها، في إشارة رمزية إلى أن أوسلو بالنسبة للفلسطيني لن تكون مدينة بشوارعها وأحيائها وإنما بنود اتفاقية لن تفضي إلى حياة.


دلالات