قمة أنقرة تكتفي بحل للجنة الدستورية... ومصير إدلب معلّق

18 سبتمبر 2019
الصورة
اتفق الرؤساء على تخفيف التوتر في إدلب (Getty)
+ الخط -

لم تحسم قمة أنقرة الثلاثية التي جمعت الرؤساء التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني، أمس الأول الإثنين، الجدل الكبير حول الملف الأكثر حساسية في القضية السورية، وهو الموقف في محافظة إدلب ومحيطها، إذ من الواضح أن البلدان الثلاثة لم تستطع ردم هوة الخلاف حولها، ليبقى الوضع معلّقاً بانتظار تطورات مهمة على الأرض. ويبدو الوضع في محافظة إدلب مرشحاً للانفجار في أي لحظة، في ظل الحديث الروسي عن محاربة الإرهاب الذي لطالما كان ذريعة للفتك بالمدنيين وقضم المزيد من المناطق التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، التي كما يبدو تستعد للسيناريو الأسوأ وهو مواصلة الحرب من قبل قوات النظام، بعدما ظهر أن الروس لم يبدوا أي مرونة في ما يتعلق بالوضع في محافظة إدلب، ما يفتح الباب أمام تصعيد عسكري قد يدفع ثمنه نحو 4 ملايين مدني خيّبت قمة أنقرة آمالهم في الخروج باتفاق جديد يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار.

وحاول الزعماء الثلاثة التخفيف من تبعات الفشل المتكرر حيال مصير شمال غربي سورية، من خلال الإعلان عن قرار بتشكيل اللجنة الدستورية، ومباشرة عملها "في أقرب وقت". واتفق الرؤساء الثلاثة على تشكيل اللجنة بعد عام ونصف العام من الجدل حول التفاصيل في اللجنة المنوط بها وضع دستور جديد للبلاد وفق المعارضة، والنظر في الدستور الراهن وتعديل بعض فقراته وفق النظام. ويُفترض أن تتألف اللجنة من 150 عضواً، ثلثهم من المعارضة التي تمثّلها الهيئة العليا للمفاوضات، وثلث آخر من النظام السوري، والثلث الأخير من المجتمع المدني. وعمل النظام وحلفاؤه لفترة طويلة على عرقلة تشكيلها كي لا تكون مقدمة لحل يقوم على انتقال سياسي يرفضه النظام الذي يصرّ على دستور وضعه عام 2012.
وقال بوتين، إن لائحة اللجنة الدستورية تشكّلت "بعد عمل دقيق من دبلوماسيي" الدول الثلاث، وهو ما صرّح به أيضاً روحاني، قائلاً: "نأمل أن تشرع في عملها بأسرع وقت ممكن".

وكشفت مصادر تركية لـ"العربي الجديد" أن الأردن ومصر ضغطا في اجتماع مع المبعوث الأممي، غير بيدرسن، والمجموعة المصغّرة في جنيف، لإعلان اللجنة الدستورية كما هي، ومناقشة القواعد الإجرائية اللاحقة، موضحة أن الخلاف كان على اسم واحد في قائمة الأمم المتحدة له علاقة بـ"قوات سورية الديمقراطية" (قسد). وكانت "العربي الجديد" قد علمت أن الاسم الإشكالي، هو حميدي دهام الجربا، شيخ عشائر شمّر و"الحاكم المشترك لمقاطعة الجزيرة" التابع لـ"مجلس سورية الديمقراطية" (مسد)، الذي يقود ما يعرف بمليشيا "الصناديد" الحليفة لـ"قسد".

وبحسب المصادر التركية، ستكون هناك رئاسة مشتركة للجنة، وآلية اتخاذ القرار ستكون بأغلبية 75 في المائة، وستتشكل لجنة مصغرة من 45 اسماً بشكل متساوٍ من القوائم الثلاث (15 لكل قائمة). وأوضحت المصادر أن الخلاف حالياً على مرجعية اللجنة، هل هي مخوّلة بإقرار الدستور أو بحاجة لاستفتاء شعبي، مضيفة أن المشكلة الثانية متعلقة بماذا تناقش، دستور 2012 أو كتابة دستور جديد. وذكرت المصادر أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو كان قد منح مهلة حتى نهاية سبتمبر/أيلول لإعلان اللجنة الدستورية وإلا لن يتم الاعتراف بها أبداً، مشيرة إلى أنه من المنتظر أن يزور بيدرسن دمشق لإنهاء القواعد الإجرائية ويتم إعلان اللجنة في اجتماع يضم الدول الضامنة والأمم المتحدة، وهذا يعني اجتماع وزراء خارجية هذه الدول مع بيدرسن خلال الشهر الحالي.

في سياق آخر، أفاد البيان الذي صدر عن القمة، بأن الزعماء بحثوا بدقة الوضع في منطقة خفض التوتر في إدلب، وأكدوا تصميمهم على ضمان التهدئة على الأرض من خلال تنفيذ كل عناصر اتفاقيات إدلب، لا سيما مذكرة 17 سبتمبر/أيلول 2018 (اتفاق سوتشي لتثبيت خفض التصعيد) والمبرم بين الروس والأتراك، والذي نصّ على إقامة منطقة منزوعة السلاح الثقيل وفتح الطرق الدولية، ولكنه لم ينفذ، ما سمح للنظام بالقيام بحملة عسكرية استمرت نحو 4 أشهر تراجعت فصائل المعارضة خلالها وخسرت نحو 24 موقعاً في ريفي حماة وإدلب من بينها مدن هامة مثل قلعة المضيق وخان شيخون.
وشدد البيان على أنه لن يكون هناك حل عسكري للنزاع السوري، وأن هذا الأمر لن يحل إلا بقيادة السوريين أنفسهم، مشيراً إلى أن الرؤساء الثلاثة اتفقوا على محاولة تخفيف التوترات في منطقة إدلب. ويشي البيان بأن رؤى الزعماء الثلاثة حيال العديد من الملفات السورية مختلفة إلى حد التنافر، وهو ما يدفع القضية السورية إلى مزيد من التأزيم.

وتعليقاً على ذلك، أعرب المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات التابعة للمعارضة، يحيى العريضي، عن اعتقاده بأن دول الثلاثي الضامن "كلها مأزومة وتبحث عن منجز ما في القضية السورية، ولم تجد أسهل من ملف اللجنة الدستورية لتحقيق ذلك". وأشار العريضي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن بوتين "يريد إعادة اللاجئين للبدء في إعادة الإعمار لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وسمعة إنسانية، ولكن الطريقة التي ينتهجها غير مجدية على الإطلاق". وأضاف أن إيران "تختنق وتبحث عن حل سياسي في سورية يساعدها، ولكن مصير بشار الأسد هاجسها، بينما تواجه تركيا عدة أزمات، وتشعر أن أمنها القومي في خطر، إضافة إلى الثقل الكبير لملايين اللاجئين السوريين على أراضيها".
وأشار العريضي إلى أن الرؤساء الثلاثة تركوا للأمم المتحدة مهمة الإعلان عن اللجنة الدستورية بشكل رسمي في مدينة جنيف السويسرية، كون اللجنة تعمل تحت المظلة الأممية، مرجحاً اجتماع اللجنة في الثلث الأول من أكتوبر/تشرين الأول المقبل عقب انتهاء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وخيّبت نتائج القمة الثلاثية والاجتماعات الثنائية في أنقرة آمال نحو 4 ملايين مدني في شمال غربي سورية، كانوا يأملون الخروج بنتائج إيجابية حيال وقف دائم لإطلاق النار. ويبدو الموقف الآن "أقرب إلى الحرب منه إلى السلم، في ظل إصرار روسي على استعادة النظام لأغلب مناطق المعارضة في محافظة إدلب ومحيطها"، وفق مصدر مطلع تحدث لـ"العربي الجديد"، مشيراً إلى أن الاتصالات التركية الروسية لا تزال قائمة بخصوص ملف محافظة إدلب للحيلولة دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.

من جهته، قال القيادي في الجيش السوري الحر، العميد فاتح حسون، في حديث مع "العربي الجديد"، تعليقاً على القمة ونتائجها: "غاب عن هذه القمة التوافق ولو نظرياً في ما يتعلق بمنطقة إدلب، وهو الموضوع الأساسي الذي كان ينتظر غالبية السوريين تطمينات حوله". ومضى بالقول: "روسيا وإيران كانتا تسعيان لإظهار إنجازاتهما على حساب دماء السوريين وتهجيرهم، بينما تركيا كانت تبحث عن إنقاذ منطقة إدلب من حرب مدمرة وقودها الناس الأبرياء، ولم تخرج القمة إلا باتفاق على اللجنة الدستورية التي تعتبر من ركائز العملية السياسية في جنيف وليس أستانة، في حين خرجت باختلاف حول ركائز المباحثات في أستانة التي تتمثل في اتفاقية خفض التصعيد".

وألمح حسون إلى أن الشمال الغربي من سورية مقبل على تصعيد عسكري جديد، إذ أشار إلى أن "المعركة في منطقة إدلب آتية لا محالة"، مطالباً المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته حيال ذلك، مضيفاً: "حياة أربعة ملايين مدني في خطر، وفتح الممرات باتجاه أوروبا قد يكون مطلب معظمهم، فلا يمكن لهم أن يكونوا تحت سيطرة نظام الأسد، لذا ستكون المعركة حال نشوبها بتكتيك جديد وأهداف جديدة، وارتدادات غير محسوبة لمدى طويل".

وكانت تركيا قد لوّحت أخيراً بورقة اللاجئين السوريين في وجه أوروبا، في حال استمر الجانب الروسي في التصعيد على محافظة إدلب ومحيطها، في مسعى من الجانب التركي لدفع الأوروبيين لممارسة ضغط على الروس من أجل وقف دائم لإطلاق النار.

من جهته، رأى المحلل السياسي الخبير بالشأن الروسي طه عبد الواحد، في حديث مع "العربي الجديد"، أن القمة "لم تخرج بنتائج فعلية"، مضيفاً: "حتى الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية مبهم وغير واضح، وبدا لي كأنه أقرب إلى إملاء على المبعوث الدولي بأن يعلن عن تشكيل اللجنة وأن يطلق عملها، أكثر مما هو إعلان عن تشكيلها فعلاً وإنجاز كافة المهام المتصلة بذلك بعد تجاوز كل العقبات". وفي ما يخص إدلب، أشار عبد الواحد إلى أن تصريحات بوتين تشير إلى أنه "لا ينتظر عملية عسكرية واسعة في الوقت الراهن على الأقل"، مضيفاً: "واضح أنه (بوتين) حريص على عدم خلق أي منغصات لعلاقته مع أردوغان، للمضي في تطوير العلاقات الثنائية وما فيها من مصالح لروسيا". وأشار إلى أنه "انطلاقاً من تصريحات بوتين عقب القمة، يمكن القول إن معركة إدلب الكبرى بالنسبة لموسكو مؤجلة حالياً"، مضيفاً: "ربما تكون عمليات قضم مناطق، لكن سيصطدم الروس مع الأتراك بسبب نقاط المراقبة التركية. وأعتقد أن أي سيناريو ممكن في شمال غربي سورية من قبل موسكو، شرط ألا يضر بالعلاقات مع أنقرة".

المساهمون