قرار هدم الخان الأحمر: مقدمة لعزل القدس عن الضفة

القدس المحتلة
محمد محسن
رام الله
نائلة خليل
06 سبتمبر 2018

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية، أمس الأربعاء، والذي أعطى جيش الاحتلال مهلة أسبوع ليبدأ بعدها بهدم قرية الخان الأحمر شمال القدس المحتلة، وإخلاء سكانها البدو الفلسطينيين، يغلق على ما يبدو للأبد ملف هذه القضية التي بقيت ردحاً من الزمن في أروقة محاكم الاحتلال المختلفة، وتداولها قضاة تلك المحاكم، ومن قبلهم تداولها الاحتلال، ومؤسساته السياسية والأمنية المختلفة.

أمس، انتهى الأمر بما كان توقعه أهالي التجمع البدويّ أصلاً منذ اليوم الأول لفعاليات احتجاجاتهم اليومية منذ أكثر من ثلاثة أشهر، طارحين تساؤلات مؤلمة وموجعة حول ما يمكن أن تفعله السلطة الفلسطينية لهم بعد ذلك، وهي التي تصدرت جزءاً مهماً من تلك الفعاليات، ودعمتها قانونياً وسياسياً وميدانياً، في مقابل تغوّل احتلالي، عبر الجيش وما يسمى بإدارته المدنية، وحكومة برئيسها ووزرائها، وجهاز قضائي شكل في أكثر من مناسبة غطاءً لممارسات الاحتلال وجرائمه ضد الفلسطينيين، سواء في ما يتعلق بمصادرة الأراضي والاستيطان، أو في تشريع قوانين وإصدار قرارات تشرّع الاعتقال، حتى للأطفال الفلسطينيين، كما تشرع التعذيب بحق الأسرى. وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، وفي تغريدة على "تويتر"، "بارك وشكر" المحكمة العليا على قرارها برفض استئناف تجمع سكان الخان الأحمر. ووصف القرار بالشجاع، وبأنه مطلوب لمواجهة ما سماه "الهجمة" التي يشنها الرئيس الفلسطيني محمود عباس واليسار الإسرائيلي ودول الاتحاد الأوروبي، مضيفاً "ليس بمقدور أحد منع إسرائيل من بسط سيادتها على أراضيها كدولة".

أما من جانب سكان هذا التجمع البدوي، وغيره من تجمعات البدو الـ45 المهددة بالترحيل، فكان التساؤل على لسان أحد المواطنين هناك، وهو عيد أبو غالية، "ما الذي يمكن أن تفعله أو تقدمه السلطة الفلسطينية لنا بعد قرار المحكمة العليا بعد كل ما قدمته من دعم وإسناد؟ وما الذي يمكن أن نفعله نحن أيضاً؟ نحن باقون حتى النهاية، ونتوقع في كل حين أن تتم عملية الإخلاء والهدم. القرار يثبت أنه حتى المحاكم عندهم بيد العسكر، وكل قراراتها في الماضي مسرحيات ليس أكثر". ربما ينجح الاحتلال في هدم قرية الخان الأحمر وإخلاء من فيها بالقوة كما يحدث في العادة، لكن هل سيتوقف الأمر عند الخان الأحمر فقط؟ وماذا يخطط الاحتلال هناك؟ وما نتائج وتداعيات القرار؟ وقال مدير دائرة الخرائط والمعلومات في بيت الشرق، خليل تفكجي، لـ"العربي الجديد"، إنه "في حال تم هدم هذه التجمعات، والبداية بقرية الخان الأحمر، فستشرع سلطات الاحتلال بتنفيذ المخطط الاستيطاني المعروف بـ E1، وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية والمناطق السياحية والصناعية على أكثر من 13 ألف دونم كانت صدرت قرارات بمصادرتها إبان عهد رئيس حكومة الاحتلال ووزير جيشها الأسبق أرئيل شارون". وأشار إلى أن التخلص من تجمعات البدو شرق القدس وإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة سيعزل القدس بالكامل عن امتدادها في الضفة الغربية، ويحقق الربط الجغرافي الكامل بين تجمع "غوش أدوميم" الاستيطاني، الذي يضم مجموعة من كبريات المستوطنات في المنطقة على رأسها "معاليه أدوميم"، ومركز المدينة. وشدد تفكجي على أن "الاحتلال الإسرائيلي ينفذ في هذه المنطقة استراتيجية بعيدة المدى تستهدف تفريغ منطقة الخان الأحمر حتى البحر الميت من أي وجود فلسطيني، وفصل جنوب الضفة الغربية عن وسطها وشمالها، وإقامة الجدار الفاصل الذي يسمح بضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الشرق لبلدية الاحتلال في القدس ضمن حدود نفوذها الموسعة فيما يعرف بالقدس الكبرى".



ولكن ما أهمية هذه المنطقة الجغرافية الواقعة على بعد بضعة كيلومترات فقط من مركز مدينة القدس المحتلة؟ وإلى ماذا تشير تسمية هذه المنطقة بالخان الأحمر؟ هذا الأمر يوضحه سليمان مزارعة، وهو من قدامى المدافعين عن التجمعات البدوية شرق القدس المحتلة، والذي ينتمي لعائلة بدوية فلسطينية هّجرت من أراضيها في تل عراد بالنقب عام 1948، بقوله إن "قاطني هذه المنطقة عبارة عن عائلات بدوية استقرت في مكانها الحالي عقب نكبة فلسطين، وكانت تقطن البرية الفاصلة بين برية الخليل وبرية بئر السبع، وهي إلى برية الخليل أقرب، بينما تنتمي هذه العائلات في معظمها إلى قبيلة عرب الجَهَالين من بني مالك من بَجِيلة وتعود أصولها إلى جنوبي الطائف". وأشار مزارعة إلى أن تسمية الخان الأحمر بهذا الاسم واستناداً لما وثّقته مصادر تاريخية، "تعود في نسبتها إلى خان من الطوب الأحمر قريب من مقام النبي موسى، فيه آبار وسجن وغرف كبيرة ومرافق عدة، تعود إلى حقبة إسلامية قديمة أو إلى حقبة بيزنطية. وكان الخان يعرف باسم دير أفتيموس، نسبة إلى مار أفتيموس القدّيس المسيحي الذي أسس ديراً يضم كنيسة في المكان في العام 428 أو أنه سمي بذلك تبركاً باسمه، وقد جُدِّد في مراحل تاريخية عديدة، ويبدو أنه كان ضمن محطات الطريق بين أريحا والقدس، بدليل وجود خان أو نُزل فيه". وتعتبر أرض الخان الأحمر برية جبلية جرداء توجد فيها مساحات زراعية محدودة جداً بين مستوطنات ضخمة شبه عسكرية مغلقة مثل "معاليه آدوميم" و"كفار آدوميم".

من جانبه، أعلن رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، وليد عساف، عن بدء الاعتصام المفتوح في قرية الخان الأحمر، للتصدي لمحاولة هدمها من قبل جرافات الاحتلال الإسرائيلي، في حال أقدم الاحتلال على ذلك. وقال عساف، خلال مؤتمر صحافي عقد في قرية الخان الأحمر أمس، "إننا منذ هذه اللحظة سنبدأ الاعتصام المفتوح في الخان الأحمر لنتصدى للجرافات في حال بدأت بتنفيذ عملية الهدم، ونحن ندعو الشعب الفلسطيني ولجان المقاومة الشعبية إلى التواجد في الخان الأحمر والانضمام إلينا". وقال "الاعتصام المفتوح سيبدأ من الآن، وسنكون خط الدفاع عن الخان الأحمر، ونعاهد أبناء شعبنا أننا سنستمر في معركتنا هنا في الخان الأحمر، وإن هدموه سنعيد بناءه وخيار الترحيل غير موجود لدينا. نحن سنواجه عملية الترحيل أكثر مما يتوقع الاحتلال". وفي الوقت الذي حمل فيه عساف، حكومة الاحتلال وقضاة المحكمة العليا وليبرمان المسؤولية القانونية عما يجري، قال إن "إسرائيل ارتكبت جريمة حرب جديدة. لقد استنفدنا كل الإجراءات القانونية على المستوى المحلي، ومن حقنا التوجه للمؤسسات الدولية لندافع عن حقوقنا، ونحن نعلن أننا سنتوجه لمحاكمتهم أمام القانون الدولي". وأكد عساف ملاحقة كل الشركات التي ستسمح لجرافاتها بهدم الخان الأحمر أو منازل الفلسطينيين وقراهم، موضحاً أن "أسماء تلك الشركات وصور جرافاتها موثقة لدينا، وستكون أكثر توثيقاً في أي عدوان جديد". وأضاف أن "قرار محكمة العدل العليا الإسرائيلية بهدم الخان الأحمر، هو بمثابة الانتقال إلى مرحلة الهدم الجماعي وإعلان بدء التطهير العرقي، ومحكمة الاحتلال لم تخجل من نفسها برفض وثائق الملكية وعقود الإيجار التي أظهرها محامو السكان للمحكمة".


أما على صعيد التحرك الدولي للسلطة الفلسطينية، فيبدو أن هناك عدة خطوات سيعاد تكرارها مرة أخرى، على أمل أن يُحرك العالم تجاه الاحتلال الإسرائيلي. وقال مدير إدارة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في وزارة الخارجية الفلسطينية، عمر عوض الله، لـ"العربي الجديد"، "تحركنا بشكل مباشر في شهر يوليو/تموز الماضي، إذ سلم وزير الخارجية، رياض المالكي، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بلاغاً حول الخان الأحمر باعتبارها جريمة تقع تضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن تسليمها مجموعة من الملفات والدلائل على ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي من عدوان تجاه الخان الأحمر". وأضاف "طلبت السلطة الفلسطينية من المدعية العامة أن تأخذ قراراً سريعاً بهذا الموضوع، وردت على وزير الخارجية قائلة إنها تتابع ما يحدث على الأرض وستتخذ قرارها في الوقت المناسب، في حال إصرار إسرائيل على هدم الخان الأحمر". وأضاف عوض الله "اليوم سنعود للتذكير عبر رسائل خاصة متطابقة ستوجه نسخة منها إلى المحكمة الجنائية نذكُر فيها قرار الهدم الذي صدر الأربعاء، وأن هذا يعتبر ضمن جرائم الحرب". وحول الخطوات الأخرى، قال "سيتم طرح موضوع الخان الأحمر من قبل السفير الفلسطيني في جنيف ضمن الجلسة الخاصة بمجلس حقوق الإنسان، والتي ستبدأ أعمالها قريباً، فضلاً عن طرحه على المفوض السامي لحقوق الإنسان، وستتم مخاطبة رئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة من خلال رسائل متطابقة سيرسلها سفير فلسطين في الأمم المتحدة، لإطلاع العالم على ما تقوم به إسرائيل حيال الخان الأحمر، وهذه الرسائل ستعمم على جميع الدول لاتخاذ ما يلزم من أجل منع هذه الجريمة التي سترتكب بحق الفلسطينيين في القدس". وأوضح أن "كل بلاغ أو ملف يتم تقديمه للمدعية العامة فيه تأكيد على أننا لا نعترف بالمحاكم الإسرائيلية ولا تعتبر ضمن الإجراءات التكميلية على صعيد القانون الدولي، لأنها تشكل أداة من أدوات الاستعمار للأرض الفلسطينية، وهذا ما أكدناه في ملف الخان الأحمر بأن المحكمة الإسرائيلية أداة من أدوات الاحتلال".

ذات صلة

الصورة
سياسية/رياض المالكي/(العربي الجديد)

سياسة

قررت دولة فلسطين، اليوم الثلاثاء، التنازل والتخلي عن حقها في ترؤس مجلس الجامعة العربية في دورته الحالية، بسبب ما قال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، إنها "فاجعة ضربت الجامعة العربية، وبسبب الهرولة غير المسبوقة نحو التطبيع".
الصورة

أخبار

كشف كبير موظفي البيت الأبيض، مارك ميدوز، الجمعة، أن 5 دول أخرى، ثلاث منها عربية، تدرس بـ"جدية" تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي على خطى الإمارات والبحرين.
الصورة
صلاح قديح الرئيسية

مجتمع

أحبّ الغزي صلاح قديح صناعة الأفران الطينية مذ كان صغيراً. واليوم، باتت هذه الأفران مطلوبة في غزة بسبب انقطاع التيار الكهربائي والغاز
الصورة

سياسة

أتمّت الإمارات العربية المتّحدة ومملكة البحرين، اليوم الأربعاء، وبين يدي الرئيس الأكثر فضائحيّة وإشكالًا وعنصرية في التاريخ الأميركي، عهد العلاقات السريّة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بالتوقيع على اتفاق يبدو أنه يتجاوز "سلام" الند للند، إلى التحالف.