قارب المجذومين وقصائد أخرى

13 يوليو 2020
الصورة
عبّاس بيضون (العربي الجديد)

قارب المجذومين 

أولئكَ الّذين لم يموتوا
جاؤوا إلى هذا الرّصيف
لكي يتأكّدوا
بعضهم خرج من حُجرات
ولا يزالُ داخل حيطانها
إنّها حصتهُ من الظلمة
نحت منها رأسه
الذي لا يزالُ على النافذة نفسها
لا يزال ذلك الفكّ
يطحنُ في العتمة
أسراراً وحزازات
ومن هناك
يتحدّثُ إلى مجهولينَ موتى
أمّا الّذين يتذكّرون أنّهم التقوا
بالحتفِ مرقوماً على الشاشة
فهُم في بلدةٍ أُخرى
هي الآن وبعد قرون
مجرّد قارب
وليسَ أكثرَ من لطخةٍ بيضاءَ
جامدة ومنتظرة
على سطحٍ أزرق
إذ لا نزالُ قبلَ الفيروس
تقريباً في زمنِ المعلّم
الذي احتمى كلّ مرة
بنوع آخر من الكورونا
لا يمكنُ أن نؤرّخ
إلا بدءاً من أصنافٍ مختلفةٍ من الخوف
كلّ مرةٍ ظهرَ في الهواء
ذلك السرّ الّذي تنشّقه الجميع
ولا يحتاج إلّا إلى رئة
مصنوعةٍ لأجله
إنّها فقط الكلمة
التي لا نعرفُ متى تخرجُ
جرثومة
من الأرضِ حيث تمّ خنقها
لا نعرفُ
متى يمكنُ أن يعيدوا زرعها
لا نعرف ماذا فعلنا
تابعنا فقط
ما سقطَ على الجانبين
(كانت الحياة لا تزال تعمل هناك)
ما يتشعّب في السرّ
إلى مدن وأقاليم
لم يكن سوى حائط من الدمار
الذي مشينا تحته
وتحت العين الّتي انبثقت من العتم
بدونِ فكرةٍ تعيدُها
إلى الظلمةِ نفسها
التي بلا معنى
سوى البقاءِ مهجورة
ومحجورة
وغير مرئيّة
إلّا للموتى.

هناك ذلك الثقبُ
الذي ابتلع ما تبقّى
جميع الذين تواروا
أكاذيب تعبت وهي تنتظر أوان خروجها
الحياة الجامدة وعودتها فوق السطح 
وبين الرسائل الموجّهة إلى كثيرين
واحدة لا تزال ترتجف
دعوة إلى السيّد
وربّما إلى الملاك
الذي سافر بجناحين شاهقين
فوق الذين تركهم الفيروس
لشقائهم الطبيعي
لخطايا السنّ
أو فوات الذاكرة.

لم يكن هناك ما يستحقُّ
سقوطُ سماءٍ بهذا الحجم
ولم تكن لتقع
على قارب للسّحرة والمجذومين
باعة الحظوظ
وخدّام الدخائل
والنوايا النائمة.

إذاً ماذا نفعل
غير أن نرمي موتانا إلى البحر
الذي لأمر ما
سوف يكونُ رائقاً وسعيداً
لأمرٍ ما
سوفَ يعيدُهم
أكثرَ وسامةً.
لن يكون لدينا ما نشتريه
تلك المقايضةُ الكبرى
على مائدة الكلاب
ليست من حصّتنا
وليس هذا هو السّعر
الذي يستحقّه الوباء
بالتأكيد
نشتري بالكورونا أثمن منه
ليس لدينا ما ندفعه
سوى هذا الصمت
الذي يزداد بلاهةً
بالخبايا
التي تتلوّث أكثر
كلّما وجدت اسماً
أو وجدت إلهاً.


■■■


الصفر

من يفكّرُ الآن أنّ الصّفر
هو من فوقنا الظلّ
هو من فوقنا الشّمس المكسورة
التي تنشرُ نهاراً متراجعاً
هكذا نحيا بالعكس
وعلينا أن نكون
بقدرٍ من القبول 
أضداد أنفسنا.
هذه ليست معركة ولم نعد اثنين
كان هذا وجه السّاعة الرابعة
المستمرّة منذ الفجر
لم يغادر أحد، لم يحضر أحد
نظرنا فقط إلى ما خلّفناه على الوسادة
وفي صحون العشاء
إلى أحذيتنا على الشرفة
وأعقاب سجائرنا
وإلى هراء البارحة
ماذا كنّا بدونها؟
ماذا بقي منّا لما بعد السهرة
فقط صعدَ العصر
واستدار في الأعالي
فقط سقطَ الصّفر علينا.
نحنُ فقط ما يمكنُ جمعُهُ من أمسيات العزلة
ما يمكنُ أن يكونَ بقيَ على المائدة
ما أهملتهُ الذاكرة
وما قد يكونُ عراهُ النسيان
قد يكونُ أيضاً نُصباً من دقائق
أو مجرّد وقتٍ مرقوم
من أعمارٍ متباينة تسوّلت الحياة
وحصلت منها على وقتٍ إضافيّ
وربّما على وحلٍ طريٍّ وعناوين
لم نكن بالصّدفة تحت هذا القمر الأجوف
جمعَتنا تلكَ الشّقوق
الّتي كانت تحت مقاعدنا  
والّتي تكلّمنا فيها
وأودعناها عهودنا.

كان ذلك الصّفر كروياً
ولم ينطفئ إلّا بعد جهود
أحضرناهُ من الحديقة حيث كان يضيء،
بالطّبع كنّا فخورين لأنّنا أوجدناهُ
لكن لم نعرف متى يعود سيّداً
ومتى يستولي على الظهر
لم نعرف أنّ جائزتنا كانت هناك
وصلت إلى رأس النُّصب
حيثُ صعدنا أيضاً
ولم يتكرّر الأمر
كان ثمّة حقيقة وحيدة ولم نبال
حقيقة مكوّرة 
لم يجازف أحد برفعِها عن الأرض
لقد عاد هذا الصفرُ إلى الوجود
وكان بالطبع هائلاً حين قابلَ الشّمس
وحين جثمَ فوق الحديقة
كان هائلاً أيضاً
حين أخلى الضوء
وأخلى الوقت
من الدوران. 
لم ننتظر عبثاً أن يبرُد
وأن يسقفَ المكان
لم ننتظر عبثاً أن يستديرَ إلينا
أن يكون هكذا 
قفا الحياة التي صارت فوقنا ووراءنا.
ثمّة كلامٌ يعادُ تسييلُه
وقتٌ يعاد تسييلُه
وبالطّبع دوائر تتبع دوائر.
هذا الهراء القمريّ
لن يكون سوى ما بدّدناه من الوقت
سوى ما يعود إلى الدوران
كلّ تظاهر بالحياة
كلّ مرّة
تسقطُ في الحضيض
أو تستديرُ كصفرٍ علويّ.

من يفهم كيف تخرجُ لنا حياتنا
من تحت المقاعد
ومن الحقائب التي لم نسكنها بعد
من يفكّر أنّ الصفر من فوق
هو الظلُّ
وأنّ ما تعيدُهُ لنا الثقوب
هو الحياة تحت الصفر.


■■■


انتصارات صغيرة

ألمكِ الّذي ينتقلُ إليَّ
لا يحملُ اسماً
ولا عنواناً
لا أدري من أين أتى
ولا كيف عثر عليّ.
لم يكن هو العجوزُ
الّذي مرّ تحت الشّرفة
ولا الغيم الّذي ركبَ السّماء
لم يكن طعم الإكي دينيا
ولا كلمةً عن شرق أوروبا
لم يكن أنت
كان فقط ألمكِ
الّذي سماكِ لي.

أعدّ خطواتي بخوف
لكن أتابع العدّ
لا أعرفُ متى يحصلُ الرقم المشؤوم
الذي أفوته دائماً
لكن أعرفُ أنّه قد يوجدُ بالخطأ
في فسحةٍ فارغة
قد يكونُ سقط
بدون أن أشعر
في ركبتيّ
قد يكونُ عثرةً قادمة
قد يكون هذه القصيدة
التي ليس لها ما وراءها
ولا ما بعدها
فالشعرُ الآن هو هذا الجسد
الذي أربّيه للحظة
أعرفُ أنّه فيها فقط
ينتصرُ على نفسه.

لا شيء أسلّمه للغد
ولا أعرفُ ماذا ينتظرُ هناك
هل سيكون حقاً موبوءاً
إنّه زمني الخاص
أشتغلهُ بمنتهى الزهق
وسأتركهُ في حجرتي
وعلى سريري
مع وجع اليد اليمنى
ومكابدات النوم
مع الرّسائل المتوعّدة
التي تصلُ بنصفِ صورة
ونصفِ صوت
بثانيتين قبل اليقظة
مع ذلك أكملُ تماريني
الّتي أجرّ نفسي إليها
مع دوام التّفكير
بأنّي لا أستطيعُ أن أكملها
وأنّي في كلّ لحظة
أكادُ أخرجُ منها
مع ذلك أفهمُ بسأمٍ كاملٍ
أنّني هكذا أغلبُ نفسي
وأحقّقُ بدون أن أصدّق
انتصاراتي الصّغيرة
وهذه القصيدة التي لا أطمعُ
في أن تسمّيني شاعراً
هي فقط معركتي
وسأكونُ وحيداً معها في الحجرة
وربّما تكونُ وداعاً للشّعر
أو مجرّد يأسٍ منهُ.

خيرٌ لي أن أعرفَ نسبة الكوليسترول
في طعامي
إنّه عددٌ كبير من الأعداد
من الأرقام الهائلة التي تغطّي على عمري
والّتي هي أثمانُ كلّ ما طلبته
ترتفعُ كلّ دقيقة
ووحدها تكبرُ كلّ صباح
تنمو وتتسلّقُ
لدرجة تغرقني.

آخذُ أدويتي الكثيرة
لأنتصرَ على قلبي
وأعودَ إلى سريري
الذي أعانيه
بدون أن أستطيع
اقتلاع نفسي منهُ
وحدي مع كتاب
وحدي على الشّرفة
وحدي مع ألمي القريب
وهذه كلّها
انتصاراتي الصّغيرة على نفسي. 


■■■


الحمامة

ألمك ينتقل إليّ
إنّها أيضاً عدوى
إذ نرتعدُ من هذه الحمامة
التي لم تحمل رسالةً إلى أحد
رميت قفّازيك في وجهها
وتحاربُها بمظلّتك
وربّما بثيابِ النّوم السّميكة
أو أحذية الصّقيع.
لم يكن هناك شتاءٌ آخر 
لنقف في ظلّه
ولا موسمٌ ثانٍ للجليد
لنبيعه
إنّك فقط أمام الفلاة
الّتي لا تصلحُ للزيارة
ولم تقدّم عبثاً صفحتها الملساء
ليزيلوا عنها
مرةً بعد مرّة
ما تركهُ الزمنُ والخيولُ وآثارُ الأقدام.

لقد حان الوقتُ
لنصنعَ شيئاً أفظع
شيئاً أقلّ وزناً وكلفةً
حانَ الوقتُ
لننقلَ الكلمات عن الحائط
ونعيدها إلى أمكنتها
على جباهِ الأشياء
بدون أن نحشوها بالرقائم
أو نقلبها على وجوهها
بدون أيّ مقاصد
أو حتّى لعنات.
إنًها معديةٌ وستكون
نسيماً أصفر بين المسافرين
الّذين صاروا بالمصادفة
ودون أن يدروا
وصايا وعظات
ورسائل لا تقتل وأرقاماً
لم تحتجْ إلى سعاة
بل فقط 
إلى فلاة وإلى جليد
جليد كبير
لتحسّن نقشَ مراميها
ولتوجدَ بالدّرجة نفسها 
في ثقوبِ الغيم
وثقوبِ الزّمان. 

من أين للحمامة هذه القدرة
على ترويعنا؟
من أين للعينِ الجامدة أن تخيف؟
إنّنا نتبادلُ الألم
ليسَ بدون أن نشفقَ على أنفسنا
نتبادلُ الألم
ونتعادى بالنظرات.
الفراغُ الذي نُحتنا منهُ 
يباعدُنا
ويجعلُنا نتنقّلُ بين الأصفار
فقط كراهيّة صامتة
وبلا رائحة 
تستطيع أن تتلصّص فيه
وأن تلسع
بدون أن تتركَ أثراً.

نتبادلُ قلوباً متوّرمة
ونسقطُ في الممرّات
وعلى الضّفاف
إنه أيضاً توديعُ الشّتاء
يستوجبُ أنْ نجمعَ ضحايا البارحة
لقد صاحبناه حتّى الشطِّ
الذي عاد مملوءاً بالأحذية والحقائب.
هناك فقط يُمكن أن نتدحرج على الجليد
وليس قبل أن تصفر السّاعة
ولا بدون أن نرمي قمصاننا الصوفيّة
المليئة بالمرض.
لقد بعناك بالتأكيد مع موتانا
وكبار السّن الذين هرعوا من وراء الأطراف 
وراء الشتاء
كانت السّاعة مرقومة على الثلج
حيث تملأ الدقائق الفراغات
وحيث الحمامة التي تأتي
من وراء الخريف
تتجمّع كعقربِ الثّواني
كنصفِ دقيقة من ألم
ليست رسالة ولا تهديداً
ويمكنُ أن نصادفَها في مكان آخر
بدون أن نرتعدَ أقلّ
وبدون أن نلمح آخر لحظة
وآخر موعد
وبدون أن تتعامدَ أعيننا
مع نظرةِ الموت الساكنة
في البؤبؤ العسليّ.

ألمٌ متنقّلٌ وقلوبٌ متبادلة
لكن الوقت يردّنا إلى الخلف
هناك نجد شبيهاً
تقفّصت رئتاه
لا بد أننا أرسلنا أنفسنا
بالخطأ
إلى هناك.