في مواجهة شباب السيسي

03 نوفمبر 2016
+ الخط -
فين الشباب؟ هذا هو السؤال، بل هي صرخة أطلقها المغني الشاب، رامي محمد، في فيديو كليب جديد، رداً على مؤتمر الشباب برعاية مُضطهِد الشباب الأول؛ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ الأسبوع الماضي. وما أشبه المؤتمر الحالي بمؤتمر اقتصادي عقده السيسي في المدينة نفسها العام المنصرم، ووعد فيه بفتح أبواب الرخاء الاقتصادي للشعب المصري، لكن تبخرت كلّ الوعود السابقة أو اللاحقة، ولم يبقَ سوى الفقر والقمع والفساد في ظل أسوء إداره في العصر الحديث.
عندما ظهر الرئيس في مقدّمة الصفوف محاطاً بمؤيديه، شارك الكلّ في وصلات من المدح والتفخيم لـ "طبيب الأمة"، كما وصف نفسه سابقاً. أنفقت الملايين على مؤتمر خمس نجوم، في وقت يدعو فيه السيسي إلى حالة تقشّف، مدّعياً أنّ ثلاجته لم يكن بها سوى الماء عشر سنوات. ومثلما شهد شهود، مثل حازم عبد العظيم وغيره، أنّ أجهزة الأمن كان لها دور كبير في اختيار نواب البرلمان، بحيث لا يتعارض وجودهم مع تمرير قوانين السيسي القمعية، فالثلاثة آلاف مدعو للمؤتمربالتأكيد لا يمثلون شباب مصر، بل هم شخصيات لها مصالح مع وجود نظام انقلابي، وربما كان لأجهزة الأمن دور كبير في انتقائهم لترسيخ صورة معينة، وهي أنّ السيسي هو راعي الشباب، في محاولة لتهدئة السخط العام على إدارته الفاشلة. إذاً أين هم الشباب الحقيقيون؟
إجابة على هذا السؤال، يرد رامي في أغنيته الجديدة: "الكل متسجل غياب، يائس يا فندي وشعره شاب/ شباب في سجنك واترموا، والله أعلم هما فين، بتقول عليهم أجرموا، عشان برفضك معروفين/ حاول يعوم زي الجنية، ويلاقي هجرة تروقه، وازاي يقب بذمتك، كل الضحايا بيغرقوا".
حقاً الشباب يموتون غرقاً بعدما ضاقت بهم كلّ السبل، ولم يعد أمامهم سوى مواجهة الموت في البحار ولم تكن المركب التي غرق على متنها أكثر من مائتي شاب وطفل الشهر الماضي بظاهرة جديدة، فهي تتكرّر بشكل دائم مع زيادة الفقر في الريف المصري حتى فاق عدد الغرقى هذا العام ثلاثة آلاف شاب وطفل يحاولون الفرارالذي يتجدّد كلّ صباح. آخرون تمّ الزج بهم في السجون والمعتقلات لمجرّد اختلافهم مع إدارة حكم العسكر حتى فرغت البلاد من "الورد اللي فتح في جناين مصر" أثناء ثورة يناير. هؤلاء هم الشباب الحقيقيون الذين رفعوا لواء "الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية"، والتي بدونها لم ولن يتحقّق أيّ رخاء اقتصادي أو أمني.
لكن، على الرغم من القبضة الحديدية التي يضرب بها السيسي على المجتمع المدني بأكمله، لم يجد الشباب الذي لم يدعَ لحضور مؤتمر السيسي سوى العالم الافتراضي لعقد مؤتمر موازٍ للتعبير عن القضايا الحقيقية من دون وصاية أو رقابة من الحكومة. وبسرعة البرق انتشر هاشتاج بعنوان #الشباب_فين؟، وحمل في طياته الكثير من التهكّم والسخرية من مؤتمر الخمس نجوم. كما طرح قضايا لم يجرؤ أحد على طرحها أمام الرئيس مثل الاختفاء القسري والانقضاض الممنهج على الحريات والفضاء العام.
كان الرد على السؤال هذه المرة عن طريق صورة ساخرة لأحد المغرّدين، تظهر أربع طرق تؤدي إلى الشباب مع وضع إرشادات مرورية؛ الأول سجن مزرعة طرة، والثاني سجن أبو زعبل، والثالث سجن القناطر الخيرية، وأخيراً سجن العقرب المعروف بشدة الحراسة. غرد شخص آخر قائلاً "هيكون فين يعني يا تحت الأرض مدفون يا فوق الأرض محبوس يا بره الأرض مطرود". كما قال آخر على نفس الهاشتاج: "الفلوس اللي اتصرفت ع المؤتمر كانت ممكن تساعد كام شاب يبدأ مشروع صغير بدل ما يهرب م الفقر للموت ف البحر".
يستطيع السيسي أن يظهر كيفما شاء، فهو المخرج والممثل والمؤلف، بل وأيضا الجمهور في الوقت نفسه. لكنّه لا يدرك أنّ ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أنّ سياسة تجريف المجتمع من الشباب المؤمن بالحرية والعدالة في ظلّ حكم معادٍ للتغيير لم تعد صالحة في زمن العولمة وتكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام الإجتماعي. ولعلّ نضوب الأنظمة العسكرية في دول أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية التي كانت في أوج سلطويتها في السبيعينات خير دليل على أنّ طغيان النظام الديكتاتوري يقصر من عمره.
BE3988EA-5842-4814-A82D-BA2FD43F7CB2
محمد منصور (مصر)