في رثاء الوجود

29 ابريل 2017
مشكلتي مع الوجود أنه يصبح عصيّاً على الرؤية كلما تقدم الزمن. الوجود قديماً كان واضحاً: إن كنت في مكان ما، فأنت موجود فيه. وإن كنت في مكان آخر، فأنت هناك، ولست هنا.

وحدهم المنفيون والعاشقون كانوا يدّعون بأنهم يلوون عنق الوجود، ويشعرون بأنهم في مكان ما بينما هم في الحقيقة في مكان آخر. لكن هذا الشعور لا يغير من الحقيقة شيئاً. فالوجود لم ولن يتأثّر بتغيَر أحاسيسنا. إلا عندما تغير الزمن، وأصبحنا نوجد في أماكن أخرى "افتراضياً". وكأن وجودنا فرضية لا يمكن تأكيدها ولا نفيها حتى. وكأن العالم كله أصبح لاجئاً يبحث عن وجود واحد حقيقي، بينما هو جائع في نفس الوقت إلى وجود شامل لكل الأماكن. السؤال الذي يفرض نفسه كل يوم: أين أنا فعلاً؟ أصدقائي المنتشرون في أصقاع الأرض يزعمون بأني موجودة عندما يضيء لون أخضر إلى جانب اسمي. لكنهم في كل مكان؛ أنا في كل مكان إذاً.

أنا في شتات مستمر بسبب هذا العالم الجديد ذي الخدع الوجودية العميقة. أين أنا فعلاً؟ ولماذا لا أنتمي إلى هذا الشتات، لماذا لا أحتفي به كما يفعل كل الذين يتحمسون للتقدم التكنولوجي؟

لماذا علي أن أهدئ من روع نفسي كل ليلة بأن أطفئ كل الأجهزة التي تمط بوجودي وتخاطر بتمزيقه، لأشعل مذياعاً قديماً وأرجع إلى الـ"هنا" للحظات معدودة قبل أن يستفيق بي خوف العدم، ومن ثم أرجع إلى الفضاء الافتراضي الكاذب مجدداً، وهكذا دواليك؟ قال ديكارت قديماً "أنا أفكر، إذاً أنا موجود". والآن، وبأسف حزين أقول، قد تبدلت الأزمنة وأصبحت العبارة "أنا أونلاين، هل أنا موجود؟".