الروائح في المنفى

26 مارس 2017

  

اليوم، دعتني فتاة فلسطينية تشبه دمشق، إلى مطعم فلسطيني في شيكاغو. أعطتني حفنة من أنوثتها الخالصة: أربعة أقلام من أحمر الشفاه. أهدتني صورة لبحرٍ زعمت أنه يشبهني، مع بعض الشِّعر، وقطعة من قلبها الذي شرب من المنفى كؤوساً أسكرته بالوَجْد.

وبالرغم من نباتيّتي الصارمة، لم أقدر على عدم طلب الشاورما من مطعم ينضح بالشوارع السورية وبموسيقا العود التي تئن بشجن. عند وصول الطبق، جلست أتأمله لدقائق شعرت فيها بأني وقعت في ثقب أسود أرجعني إلى سورية. آخر مرة أكلت فيها الشاورما كانت في سورية، ثم بيروت، منذ أربع سنوات. الكثير تغير مذ ذاك الوقت، فقد ترقّى المنفى ليصبح منفىً مع منافع وغرف أكبر لأضع فيها بعض الأحلام التي انتظرَت طويلاً. صرت أحس أكثر أيضاً، لدرجة أنني لم أعد أستطع أن أقتل المخلوقات قليلة الحيلة كالدجاج والبقر من أجل متعتي اللحظية فقط.

للحظة، أخذتني الرائحة إلى هناك. طريق قنوات في السويداء التي ذهبت عنها غاضبة. باب توما في دمشق التي ودعتها كما ودعت أبي قبل أن أعرفه جيداً، لكنني عرفت دائماً بأني منه، ومنها. شارع الحمرا بيروت، شاورما "بربر" التي ألقتني في الفراش مريضة بعد كل وجبة تقدر بأربعة آلاف ليرة لبنانية، لكن ولسبب ما، مرضي هذا لم يمنعني من شرائها عند نهاية كل أسبوع أو اثنين كمكافأة على استقلالي المادي المتواضع. في تركيا، لم أفكر حتى في شراء الشاورما الملقبة بالدونر، والتي حاول الكثير من الأصدقاء أن يقنعني بأنها "شاورما" دون أن أقتنع. فتلك "الشاورما" بدت لي كخيانة لطبقنا الأصلي مع كل تلك الإضافات والخضروات.

رائحة الشاورما والثوم صفعتني هنا في شيكاغو، وأوقعتني في حفرة من الذكريات تنتهي من حيث أنا، وترميني في قاعها البعيد الذي يقع هناك، في سورية.

لم أكمل الوجبة، فالوليمة التي اقترفَتْها ذاكرتي كانت مُتخِمة، وقلبي الساخر لم يحرك ساكناً عندما أمرته بالعودة إلى الـ"هنا". يضحك بصدقٍ متعجرف ويقول:

"المنفى المُختار، لا يزال منفى. الذاكرة، وإن طُمِرت، لا تزل ذاكرة. الروائح المألوفة تمسح الغبار عن الذاكرة بشغف، وتقدمها للقلب على طبق من حنين. لن تهربي. ابكي انكساري أيتها الصغيرة المنفية، لا بأس بذلك". ثم انفَطَرْ.