46 عاماً على انتصار أكتوبر.. مصر من دولة النصر إلى "فضيحة القصر"

06 أكتوبر 2019
الصورة
مصر أكثر قربا من إسرائيل في عهد السيسي (الأناضول)
ينظم الجيش المصري هذه الأيام، زيارات يقوم بها قادة سابقون في القوات المسلحة إلى المدارس، من أجل تعريف الأطفال بحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، والبطولات التي أسهمت في ذلك النصر الكبير.

في تلك الحلقات، يتذكر الضباط السابقون نصر أكتوبر المجيد والمعارك التي خاضها الجيش المصري والتخطيط لها بكل فخر واعتزاز، بينما ينظر التلاميذ لهم بإجلال واحترام كبيرين، فيما يتابع الملايين من المصريين، المعلومات حول وقائع الفساد، والاتهامات التي تنال من سمعة الرئيس عبدالفتاح السيسي، الخاصة ببناء قصور رئاسية جديدة.
46 عاماً مضت على انتصار الجيش المصري في معركته مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهي المعركة التي وصفها العدو نفسه بأنها كانت فاجعة كبرى بالنسبة له، إذ كتبت رئيسة وزراء دولة الاحتلال السابقة غولدا مائير، في بداية حديثها في كتابها "حياتي"، تقول: "ليس أشق على نفسي من الكتابة عن حرب أكتوبر 1973 (حرب يوم كيبور)". "ولن أكتب عن الحرب -من الناحية العسكرية- فهذا أمر أتركه للآخرين.. ولكنني سأكتب عنها ككارثة ساحقة وكابوس عشته بنفسي.. وسيظل معي باقيًا على الدوام".
بعد كل هذه السنين، يكرر المصريون سؤالاً: "هل شكّل نصر أكتوبر المجيد دفعة للدولة المصرية للتقدم والبناء؟".. الوضع الحالي لا يشير بأي حال من الأحوال إلى ذلك، إذ إن مصر، في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصبحت أكثر ضعفاً من أي وقت مضى، سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
القاضي والمحافظ المصري السابق المستشار عدلي حسين، طرح السؤال نفسه ولكن بطريقة أخرى، إذ كتب على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" يقول: "يحتفل أحفاد اليوم ويفاخرون بالأجداد والأبطال الذين حققوا فخار نصر أكتوبر ١٩٧٣..! يا ترى بمن سوف يفاخر أحفاد الغد..؟!".

لقد مرت العقيدة العسكرية المصرية بتحولات عدة بعد حرب أكتوبر، وخاصة بعد اتفاقية كامب ديفيد، حيث خاضت مصر خلال العقود السبعة الماضية (1948 ـ 2019) أربعة حروب ضد إسرائيل، كانت الحرب الأولى عام 1948، عندما شاركت مصر في حرب فلسطين؛ وكانت الحرب الثانية عام 1956 فيما يعرف باسم "العدوان الثلاثي على مصر" حيث شاركت كل من فرنسا وبريطانيا في الحرب إلى جانب إسرائيل. وكانت الحرب الثالثة عام 1967م؛ وبعد ست سنوات قامت الحرب الرابعة عام 1973م.
وأدت تلك الحروب في نهاية المطاف إلى لجوء مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، التي تمخضت عنها اتفاقية كامب ديفيد، والتي وقع عليها الرئيس الأسبق أنور السادات عام 1979 مع إسرائيل برعاية أميركية؛ التي على أثرها علقت الدول العربية في ذلك الوقت عضوية مصر في الجامعة العربية لتوقيعها تلك الاتفاقية، وتم نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، وتولى التونسي الشاذلي القليبي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية.

ورأى البعض أنه بتوقيع مصر لتلك الاتفاقية حدث "تغيير" في العقيدة العسكرية للجيش المصري، تغير فيه وضع إسرائيل كعدو استراتيجي للدولة المصرية، وأن تصريحات الرئيس السادات بأن "حرب أكتوبر هي آخر الحروب بين مصر وإسرائيل" وأن السلام "خيار استراتيجي"، وأن الحل الأوحد للمشكلة العربية مع إسرائيل هو "السلام الشامل والعادل في المنطقة"، أصبحت شعار وعقيدة الجيش المصري.

وانتهجت قيادات الجيش المصري في وقت حكم الرئيس الأسبق "المخلوع"، محمد حسني مبارك العقيدة نفسها، وتسير القيادات العسكرية الحالية للدولة المصرية على الطريق نفسه.
وكتب الرئيس المصري الأسبق، وأول رئيس تولى حكم مصر بعد ثورة 1952 محمد نجيب، والذي قاد حركة الضباط الأحرار التي قامت بإزاحة الحكم الملكي في مصر، في مذكراته، والتي نشرت الطبعة الأولى منها عام 1984، تحت اسم "كنت رئيساً لمصر"، في معرض حديثه عن حرب فلسطين التي نشبت عام 1948 بين العرب وإسرائيل، والتي كان أحد المشاركين فيها كقائد للكتيبة الثانية مدافع ماكينات -برتبة مقدم- في العريش بسيناء: "عندما قامت هذه الحرب، كنت معارضاً لها من الرصاصة الأولى، فلم يكن هناك شيء يمكن أن نكسبه من ورائها، بل بالعكس كان هناك الكثير مما سوف نخسره بسبب ضعف قوتنا العسكرية. لقد كان من الأفضل لنا أن نخوض حرباً من حروب العصابات، مع بقية فصائل المقاومة العربية.. فهذه الطريقة كانت ستمنع تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين. صحيح أنه لن يكون بمقدورنا، مع حرب العصابات، أن نكسب الجولة، ولكن على الأقل لم نكن لننهزم هذه الهزيمة الساخنة".
وحاول الرئيس نجيب أن يُظهر عقيدة الجيش المصري وجنوده نحو إسرائيل في تلك الفترة، حيث أكمل كلامه "في بداية عام 1948م، وقبل أن ندخل الحرب رسمياً، كنت برتبة مقدم، وقائد الكتيبة الثانية مدافع ماكينات بالعريش.. في سيناء. وفي يوم جاءني الأمر بتشكيل فصيلة من المتطوعين للخدمة مع الفدائيين العرب في فلسطين.. وقمت باستعراض الفصيلة، وأمرت من يرغب في الانضمام للفدائيين والتطوع للقتال معهم أن يتقدم أربع خطوات إلى الأمام.. واستجاب الكل، ما عدا واحداً. كان من أصل ألباني.. وعندما وجد هذا الألباني كيف ألقي زملاؤه تحت قدميّ تعبيراً عن الجميل لإتاحة هذه الفرصة لهم، اقتنع وانضم إليهم. وأبلغت القاهرة أن الكتيبة التي بها 35 ضابطا و817 جندياً، قد تطوعت بأكملها لهذه المهمة. ورقيت بعد ذلك إلى رتبة عقيد".

من خلال هذه الكلمات التي ذكرها نجيب في مذكراته، تبين كيف كانت نظرة الجيش المصري إلى إسرائيل في تلك الفترة كونها عدوا محتلا، ومدى حرص الجنود والضباط على الانضمام إلى الفدائيين العرب لمواجهة الإسرائيليين في الداخل الفلسطيني، وبينت أيضا تلك الكلمات حرص قيادة الجيش المصري على الدفاع عن فلسطين ومواجهة إسرائيل كونها عدوا محتلا، عندما أعطت الأوامر للتشكيلات والوحدات العسكرية بتشكيل فصائل للخدمة مع الفدائيين العرب في فلسطين، وأمرت بترقية قادة تلك الكتائب التي شاركت في حرب العرب ضد فلسطين.

المشير محمد عبد الغني الجمسي، كان رئيس هيئة العمليات في حرب 73، ثم عُين وزيراً للحربية “الدفاع حالياً”، خلفاً للمشير أحمد إسماعيل بعد وفاته عام 1974، وشغل هذا المنصب إلى عام 1978 وبعدها عين مستشاراً عسكرياً لرئيس الجمهورية “السادات”، وتقاعد من الخدمة من ذلك المنصب عام 1980، إلى أن وافته المنية يوم 7 يونيو 2003 عن عمر يناهز 82 عاما، وشهد المشير الجمسي حرب 1948 في فلسطين، وشارك في الحربين التي وقعتا بين مصر وإسرائيل في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عامي 1956م، و1967م.

وكتب المشير الجمسي، الذي خدم في القوات المسلحة لمدة 39 عاما، مذكراته ونشرت بعد وفاة الرئيس محمد أنور السادات، وتحديداً عام 1989م، واختار لها اسم “خواطر مقاتل أسهم في حرب أكتوبر 1973”. أظهرت تلك المذكرات عقيدة الجيش المصري في ذلك الوقت ونظرته المستقبلية إلى إسرائيل، حيث جاء في مذكرات الجمسي عند كلامه عن إسرائيل في بداية مذكراته: “خمسة أعوام مضت من أكتوبر 1973م، حتى أكتوبر 1978م، وقعت فيها أحداث جسام تركت أثرها على مصر والوطن العربي، وما زالت تؤثر فيه. ففي يوم 6 أكتوبر 1973، كنت في مركز عمليات القوات المسلحة أرتدي لبس الميدان حيث بدأت الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل، وكنت أقوم بعملي فيها رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة. هذه الحرب التي اشتركت فيها امتدادا لحروب سابقة في الصراع العربي الإسرائيلي”.
وتابع المشير الجمسي "قام الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة القدس في أواخر عام 1977، التي أطلق عليها “مبادرة السلام” وبعد مفاوضات سياسية وعسكرية بين مصر وإسرائيل وصلت إلى طريق مسدود، وقّع الرئيس السادات “اتفاقية كامب ديفيد” في الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر من العام التالي 1978. وكان رأي الرئيس السادات، كما أبداه لي بعد أسبوعين من توقيع هذه الاتفاقية، أن مصر تمر بمرحلة جديدة تتطلب تغييراً شاملاً في مؤسسات وأجهزة الدولة. ولذلك قرر تغيير الوزارة حينئذ – وزارة ممدوح سالم التي كنت نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزير الحربية فيها – بوزارة أخرى، واختيار رئيس جديد لمجلس الشعب، وتغيير القيادة العسكرية – القائد العام ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، وإطلاق اسم وزارة الدفاع على وزارة الحربية. كما تتطلب المرحلة الجديدة إجراء مفاوضات مع إسرائيل لوضع اتفاقية كامب ديفيد موضع التنفيذ في صورة معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل”.
وبقراءة تلك السطور، نرى أن اتفاقية كامب ديفيد فرضت على الرئيس السادات تغيير القادة العسكريين التي أدارت حرب أكتوبر والمجيء بقيادات أخرى حتى لا تكون لديهم تلك النظرة الاستراتيجية نحو إسرائيل، التي يراها قادة حرب أكتوبر بأنها عدو استراتيجي للعرب ككل، ويصنفون حالة الصراع على أنه صراع عربي إسرائيلي. وقد فرضت إسرائيل أيضاً تغيير اسم الوزارة، التي يتبع لها الجيش المصري، من اسم يعبّر عن أنها وزارة حرب كون هذا الاسم ضد عملية السلام، وتحويل اسمها إلى وزارة الدفاع.
وأوضح وزير الدفاع في بداية عصر مبارك المشير أبو غزالة،  بشكل دقيق، نظرته وعقيدته نحو الكيان الصهيوني والذي وصفه بأنه خطر يهدد الأمة العربية ككل، ليس دولة من دون الأخرى، وما أشبه الليلة بالبارحة، فبدل العمل من قبل القيادات العربية الحالية على تضافر جهودهم لمقاومة ذلك الخطر الصهيوني، والاستفادة من سلبيات الحروب السابقة مع إسرائيل، تقوم بالتشرذم والاختلاف فيما بينها، بل وصل الحد إلى مقاطعة وحصار بعض الدول العربية من قبل دول عربية أخرى، بسبب الاختلاف في وجهات النظر. والمستفيد الأول والأخير من ذلك هي إسرائيل، حيث تسير هي في مخططها لتحقيق هدفها في إقامة دولة “إسرائيل الكبرى”، والتي لن تتخلى عن تحقيقه.

لم تختلف نظرة السيسي إلى إسرائيل عن مبارك، غير أنها أصبحت أكثر حميمية عما قبل، حيث قال السيسي في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في سبتمبر/ أيلول 2017، "أتوجه بكلمتي وندائي الأول إلى الشعب الفلسطيني وأقول له، مهم جداً الاتحاد خلف الهدف وعدم الاختلاف وعدم إضاعة الفرصة، والاستعداد لقبول التعايش مع الآخر، مع الإسرائيليين، في أمان وسلام"، مؤكدا أهمية المفاوضات من أجل ضمان أمن الموطن الإسرائيلي.

وقال السيسي: "أدعو الشعب الفلسطيني للوقوف خلف قياداتكم السياسية، وعدم الاختلاف، وعدم إضاعة الفرصة، والاستعداد لقبول التعايش مع الإسرائيليين في أمان وسلام".
ووجّه السيسي الرسالة الثانية للإسرائيليين: "لدينا في مصر تجربة رائعة وعظيمة في السلام معكم منذ 40 سنة، ويمكن أن نكرر تلك التجربة الرائعة، وأن يكون أمن المواطن الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع الفلسطيني".

وأضاف السيسي موجهاً حديثه للإسرائيليين: "يجب عليكم الوقوف خلف قياداتكم السياسية ولا تترددوا، ونحن معكم جميعًا من أجل إنجاح تجربة السلام. حريصون على أمن المواطن الإسرائيلي جنبا إلى جنب مع الفلسطيني".
وطالب الدول العربية بمساندة خطوة السلام بين إسرائيل وفلسطين، وأن تدعم دول العالم تلك الخطوة، موجهًا دعوة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأن يدعم خطوة السلام لأنها ستغير منطقة الشرق الأوسط كلها.
الجانب الآخر الذي أثّر على العقيدة العسكرية المصرية هو الجانب الاقتصادي للجيش المصري، فأصبح معتادا أن نرى في عهد السيسي جنديا يفترش الطريق ويبيع الخضراوات واللحوم في عرض الطريق.. ورغم توغل الجيش المصري، في عهد حسني مبارك، في الاقتصاد المصري على استحياء، إلا أنه توحّش في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث اجتذب الجيش مشروعات اقتصادية بعشرات المليارات، أغلبها عبارة عن مشروعات لإنشاء قصور وفنادق تابعة للسلطة، منذ إطاحة الجيش نظام الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013، وأصبح منافسا شرسا للشركات المدنية، مما أثر على عقيدته العسكرية.
وكان أحد قادة الجيش المصري، قد رفض تصريحات الرئيس الراحل محمد مرسي، بعد مطالبته الرقابة على ميزانية الجيش المصري، وقال وقتها: "سندافع عن عَرَقنا" في إشارة للشركات التي قام بتأسيسها الجيش.