في حرية الصحافة

05 مايو 2019
الصورة
+ الخط -
جاء في العمود الأخير الذي كتبه الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، وظهر بعد اختفاء كاتبه بأيام: إن العالم العربي بحاجة إلى نسخة حديثة من الإعلام العالمي، ليتمكن المواطن العادي من تلقي جرعته المعلوماتية المحدثة، والأهم من ذلك تمكين الصوت العربي من منصّته الإعلامية الخاصة.
كان الرجل يخطو خطوته الأخيرة نحو سفارة بلاده، وهو يفكر بمواطن عربي تتاح أمامه كل المعلومات الحديثة، وتصل إليه عبر الحدود، ويحلم بصحافي قادر على التعبير بحرية. تم التنكيل بالرجل، بوصفه صحافيا يكتب عموده بحرية، لم يحصل بالطبع على منصته الإعلامية في بلاده، فحاز على مساحة صحافية خارج أسوار الوطن، ولأنه أصرّ على التحدث وفق رؤاه وقناعته الشخصية، لقي المصير الذي شاهده العالم. يعطي هذا العرض فكرة واضحة عن الأسلوب الذي يتم التعامل به مع الصحافي العربي، ويمكن أن يعطي فكرة واضحة أيضاً عن نوعية المنصّات الإعلامية التي يمكن لهذا الصحافي أن يستخدمها، ففي حين أن أداة الصحافي هي الحبر والورق، وربما لوحة المفاتيح، فإن أدوات السلطة هي السواطير والمناشير الكهربائية التي تثير هلعاً عالي الشدة.
لم يكن جمال خاشقجي وحيداً، ولكنه بكل أسف كان الحالة الأكثر مأساوية التي ارتبطت بأذهان الناس بحبكةٍ بوليسيةٍ من الدرجة الثالثة. البلاد العربية تعج بأمثلة تُظهر فيها السلطات مواقف معادية للصحافة وللعاملين في هذا السلك. وفي الوقت الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة بيوم لحرية الصحافة، يتداول النشطاء حكماً بالسجن والغرامة على الصحافي اللبناني، فداء عيتاني، والسبب هو الكتابة، فالرأي العام هو حكر على السلطة التي تشكله كما تشاء، وعقوبة الاقتراب منه مضخمة، وبشكل مقصود، لإيقاع أكبر قدر من الأذى بالصحافي، ومحاولة خنقه مادياً ومعنوياً، بشكل رادع لباقي العاملين في هذا المضمار.
تلجأ السلطة إلى العقوبة، حين تفشل في شراء الأقلام، وتضع معظم الحكومات العربية الجهاز الصحافي تحت رقابةٍ مشدّدة، وأمامنا أمثلةٌ شاهدةٌ على ذلك في سورية التي يحتكر نظامها الجزء الأكبر من الإعلام، ويلقي بالفتات إلى قطاع خاص مسير ومأجور، لا يخرج، من ناحية المضمون، عن صحافة النظام، بل يدور في فلكها بتغيير بسيط في أسلوب صياغة الخبر أو تحليله، مع الحفاظ على المضمون نفسه الذي يخدم استمرارها، ويسير في ركابها.
تدرك السلطات خطورة ما يطلق عليه "سلاح الكلمة"، وهو بالفعل قادر على المواجهة وإحداث تغيير، أو على الأقل يؤدي مهمة لفت أنظار المجتمعات إلى ما يحصل، وهذا ما ترغب السلطات في حجبه. لذلك لا تتوانى عن مواجهته، حتى بالذخيرة الحية، فحتى الصحافيون الأجانب الذين عملوا على أرض سورية بشكلٍ قد يخدم المعارضة شكلوا أهدافاً مفضلة للنظام، ويمكن إحصاء عدد كبير منهم سقط برصاص أو بقذائف موجهة لكتم الأصوات، وهذه العقيدة في المواجهة هي من أساسيات المعارك التي خاضها النظام، وموقف النظام من الصحافة جزء من "نظامه" الفكري الذي يهدف إلى القبض على كل شيء، لإبقاء المجتمع في وضعيةٍ تشبه حالة الرهينة، أو المعتقل احتياطياً.
لخصت عبارة خاشقجي ما نحتاج إليه للوصول إلى حالة صحافية صحية، ولكن ذلك لن يتم إلا بخطة شاملة، تطاول تغيير العقلية التي تتحكّم بالإعلام، فمقولة السلطة الرابعة يجب أن تتكرس دستورياً مع ضرورة وجود صيغةٍ أخرى لوزارات الإعلام التي تشكل، في معظم الدول العربية، ما يشبه فرعاً أمنياً يستفيد من الموارد المخصصة لتداول المعلومات ونشرها في فرز الكوادر الصحافية وتصنيفها ضمن مجموعات موالية ومعادية، وقد نحتاج إلى إلغاء هذه الوزارة بشكل كلي، وتجاوز دورها الرقابي، لتصبح الرقابة ذاتية ومجتمعية، والمجتمع قادر أكثر من وزارة الإعلام على الانتقاء، وعلى الإلغاء أيضاً، في حال تجاوزت الصحافة معاييرها، وهناك أمثلة كثيرة متاحة في دول أكثر تقدّماً.

دلالات