في أركيولوجيا رئيس الحكومة التونسية المكلف

20 نوفمبر 2019
الصورة

الحبيب الجملي.. يواجه واقعا اقتصاديا دقيقا في تونس

+ الخط -
قصيرة هي مدة النشوة بنتائج الانتخابات، فسرعان ما اصطدم الفائزون بإكراهات تشكيل الحكومة الجديدة التي تستوجب تأمين أغلبية نيابية محترمة، تشكّل حزاما برلمانيا وسياسيا قويا وآمنا، يحول دون انهيارها، وهي تواجه قضايا البلاد الكبرى الاقتصادية والمالية والاجتماعية، المستعصية. وهو الأمر الذي لم يتحقق لأي حزب أو ائتلاف سياسي رغم السبق الذي حققته الحركة الإسلامية ممثلة في حزب حركة النهضة بـ 53 نائبا من بين 217، ما جعلها تسارع إلى إعلان أحقيتها بتشكيل الحكومة، بوصفها الحزب الفائز، وفق ما يقتضيه الفصل 89 من الدستور التونسي. نتائج الانتخابات أغوت في البداية حركة النهضة التي ذهبت بعيدا إلى حد اعتبار زعيمها راشد الغنوشي أوْلى برئاسة الحكومة، لكن هذا الخيار تبخّر وعُدّ من أماني السياسة، بعد أن اصطدم بمحدودية حجم "النهضة" البرلماني الذي لا يرتقي إلى ربع البرلمانيين التونسيين، وقد يصل إلى الثلث إن هي تحالفت مع الأقربين، أي ائتلاف الكرامة. 
استُبدل الخيار الحكومي بترشيح الغنوشي لرئاسة البرلمان، وهو ما تحقق له، بعد ماراثون من المفاوضات العلنية، مع حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب انتهت إلى الفشل، ومفاوضات أخرى سرية موازية مع حزب قلب تونس، ومجموعات حزبية صغيرة، ونواب مستقلين، حققت مبغاها بعد أن تنكرت النهضة لأهم شعار في حملتها الانتخابية، وهو عدم التحالف مع منظومة الفساد مجسدة في حزب قلب تونس أو "حزب المقارونة" كما وصفه راشد الغنوشي في خطاباته أثناء الحملة الانتخابية. وبدلا من ترشيح شخصية نهضاوية لرئاسة الحكومة التونسية، التزاما بمقتضيات الدستور الذي لطالما تمسّك نهضاويون بتطبيق تعاليمه، أعلن حزب النهضة بعد عقد مجلس شوراه، وهو أعلى سلطة بين مؤتمرين، تقديم مجموعة من الشخصيات المستقلّة لهذا المنصب، وهي على التوالي الحبيب الجملي ومنجي مرزوق وعبد المجيد الزار والحبيب الكشو ورضا بن مصباح، وتم ترك الاختيار للغنوشي الذي خيّر الجملي على بقية المرشّحين. وفي 
مفارقة تاريخية قلّ نظيرها في عالم السياسة التونسية في تاريخ الزمن الحاضر وفي الديمقراطيات الحديثة والمعاصرة، يختار رئيس السلطة التشريعية (البرلمان) رئيس الحكومة (السلطة التنفيذية)، ويبدو أن واضعي الدستور التونسي، وكذلك راشد الغنوشي، لم يضعوا في الحسبان هذه المفارقة التي ستضرب في مقتل مبدأ رئيسيا من مبادئ الدستور والنظام السياسي التونسي القائم على التفريق بين السلطات واستقلاليتها عن بعضها بعضا؛ إذ يصعب الفصل لدى الغنوشي بين دوره رئيس حزب فائز في الانتخابات له أحقية الترشح أو الترشيح لرئاسة الحكومة ودوره رئيس برلمان، ناهيك عن أنه صاحب الفضل الأخير في اختيار رئيس الحكومة الذي لن يستطيع لي العصا في يد ولي أمره الذي مكنه من تولي الوظيفة الأهم في سلّم السلطة التنفيذية.
سوّقت حركة النهضة أن رئيس الحكومة المكلف، الحبيب الجملي، لا ينتمي إلى الحركة الإسلامية، وغير منخرط في حركة النهضة، لكن أركيولوجيا سطحية في الذاكرة السياسية والحكومية التونسية قام بها نشطاء افتراضيون سرعان ما كشفت للرأي العام التونسي أن الرجل تولى خطة كاتب الدولة لدى وزير الفلاحة في حكومتي الترويكا الأولى والثانية 2011-2014، في كوتا حركة النهضة، الأمر الذي قد يقلل من مصداقية استقلاليته، وينزع عن الحزب الأغلبي ما تبقى له من صدقية في التعامل مع فرقاء السياسة الذين يصمونه باللامبدئية والازدواجية في الخطاب.
وبقطع النظر عن مدى استقلالية رئيس الحكومة المكلف الحقيقية من عدمها، فإن أركيولوجيا عميقة في سيرة الرجل السياسية وتجربته العملية وخبرته المهنية لا تحيل على تمثلات سياسية عميقة، وفهم للبنى المجتمعية مستنبط من حقل الأفكار السياسية الإسلامية، أو من خارجها من حقول بقية التيارات الكبرى الليبرالية والدستورية والقومية العربية واليسارية، أو من التجارب النقابية ونظيراتها الجمعياتية والمدنية. وتكتفي مدونته السيرية بالإخبار عن توليه كتابة الدولة في وزارة الفلاحة زمن تسييرها من الوزير والقيادي النهضاوي محمد بن سالم، في حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريض، الذي لم يتح أي فرصة للجملي للبروز والتعبير عن شخصية سياسية أو تكنوقراطية قابلة لاحتلال مكانة مرموقة في سوق السياسة التونسية.
وقبل ذلك التاريخ وبعده، فلا تحفظ سجلات الرجل سوى أنه كان مرشح حركة النهضة لوزارة الداخلية إبّان مفاوضات تشكيل حكومة الحبيب الصيد بعد انتخابات 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2014، أو توليه أدوارا بحثية في مجال البحوث الزراعية مرتبطة بتخصصه كفني سام ومهندس فلاحي، والقيام بأدوار إدارية ثانوية بديوان الحبوب لم ترتق إلى تولي خطة مدير عام أو تسيير إدارة مركزية، ثم الإشراف على شركة خاصة قبل دخول حكومة الترويكا وبعدها.
يصطدم الجملي في تشكيل حكومته بعوائق جوهرية، لا تتعلق فقط بالتناقضات السياسية العميقة والحادّة بين الأحزاب السياسية الفائزة في البرلمان التي تتوزّع على عدة خلفيات أيديولوجية 
إسلامية وقومية ودستورية وليبرالية وبراغماتية، تجد صعوبة في التعايش في ما بينها، لاختلاف مرجعياتها وتجاربها، وإنما ترتبط بصعوبة جمع هذه الفسيفساء البرلمانية في حكومة واحدة قادرة على الالتقاء حول برنامج اقتصادي واجتماعي مقنع لكل الأحزاب البرلمانية أو لأغلبها. وعندما ينتهي الحبيب الجملي من تشكيل حكومته، إن استطاع تشكيلها، سيجد نفسه في مواجهة أخرى أكثر إنهاكاً مما خلفه فرقاء السياسة، تتعلق هذه المرّة بتطبيق قانون للمالية وميزانية الدولة التي لم تضعها حكومته، تتضمن 12 مليار دينار من الديْن وخدمات الديْن، وتحتوي على عجز بالمبلغ والقيمة، ولا تتضمن برامج تشغيلية للفئة الشبابية العائدة إلى حقل الفعل السياسي بقوة، ولا تحتوي إستراتيجية تنموية، ولم تغير المنوال التنموي الذي ينحو إلى بروز رأسمالية متوحشة، والذي أحدث كل هذه الهزات والانتفاضات الاجتماعية منذ سنة 2010، وما زالت تعتمد التسول على عتبات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية القارضة منهاجا في تمويل الميزانية، والتوريد العشوائي استجابة لتأثير لوبيات الشركات والعلامات الأجنبية في تونس، الأمر الذي أدى إلى الارتفاع المشط للأسعار وتنامي ظاهرة الفقر وتزايد الفقراء وذوبان الطبقة الوسطى، وإلى اختلال الميزان التجاري وانهيار الدينار الذي تخلت عليه الحكومات المتعاقبة يواجه مصيره أمام سطوة اليورو والدولار.
خلاصة القول وفصله أن الحبيب الجملي رئيس الحكومة المكلف يواجه واقعا دقيقا قام بتوصيفه المؤرخ التونسي، أحمد بن أبي الضياف، منذ قرن ونصف عندما دوّن "إن الدولة التونسية فقيرة حسّا ومعنى"، وذلك "لإرهاق المجتمع بالزيادة في الضرائب وتخريب الاقتصاد باعتماد سياسات تكبّل الإنتاج المحلي وتتساهل في قبول البضائع الأجنبية وبلوغ نفوذ الدول الأجنبية بتونس أقصاه". فهل سينجح الرجل في تمهيد الطريق نحو الإنقاذ واسترجاع السيادة الوطنية المسلوبة وبناء الدولة الراعية والعادلة؟