فيلم "العربي بن مهيدي": تجاذبات في دائرة التاريخ

08 سبتمبر 2018
الصورة
(مشهد من الفيلم)
+ الخط -

تحتفظ الذاكرة الجزائرية بصورةٍ للشهيد العربي بن مهيدي (1923 -1957)، وهو يبتسم في وجوه الفرنسيّين الذين لم يُفلِحوا في انتزاع اعتراف منه، رغم ما تعرّض إليه من تعذيب. وتروي بعض الشهادات أن الجنرال مارسيل بيجار قال، بعد أن أدّى تحيّةً عسكرية أمام جثمانه: "لو كان لي ثلّة من أمثاله، لغزوتُ العالم".

يُعدّ بن مهيدي، الذي عُرف بمقولته "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"، واحداً من "مجموعة الستّة" التاريخية التي اجتمعت في الجزائر العاصمة في الرابع والعشرين من تشرين الأوّل/ أكتوبر 1954، لوضع اللمسات الأخيرة لتفجير الثورة التحريرية (1954 - 1962)، إلى جانب كلّ من: مصطفى بن بولعيد، وديدوش مراد، وكْريم بلقاسم، ومحمّد بوضياف، ورابح بطاط.

الرجل الذي ستُعيّنه الثورة عضواً في "لجنة التنسيق والتنفيذ" ثم يقود "معركة الجزائر" (1954 - 1957)، والتي اعتُقل خلالها وقُتل بعد أن تعرّض إلى التعذيب، كان قد بدأ نضاله ضدّ الاستعمار الفرنسي وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من العمر؛ إذ التحق بـ "حزب الشعب" سنة 1942، واعتُقل خلال مجازر الثامن من أيار/ مايو 1945، وكان من أوائل الملتحقين بـ "المنظّمة الخاصّة" سنة 1947.

تبدو تلك المحطّات مغريةً لأيّ مخرجٍ سينمائي، خصوصاً في ظلّ توجّه السينما الجزائرية، خلال السنوات الأخيرة، إلى إنجاز أفلامٍ تروي سيَر قادة ثورة التحرير، بعدما ظلّت لعقود محصورةً في مقاربة "البطل الوحيد هو الشعب".

هكذا، أُنتج عددٌ من الأفلام التي تناولت شخصيّاتٍ بارزةً في الثورة؛ من بينها: "مصطفى بن بولعيد" (2008) و"كريم بلقاسم" (2015) و"العقيد لطفي" (2015) لـ أحمد راشدي، و"زبانة" (2012) لـ سعيد ولد خليفة (2012)، و"عملية مايو" (2015) لـ عكاشة تويتة، والذي يروي سيرة المناضل الفرنسي اليساري هنري مايو.

وبالفعل، ظهرت فكرة إنجاز فيلم سينمائي عن بن مهيدي في 2007، من دون أن تتحقّق. وفي 2012، بُرمج العمل ضمن تظاهرة "خمسينيّة الاستقلال". لكن المشروع سيتأجّل إلى آذار/ مارس 2015؛ حين شرع المنتج والمخرج الجزائري، بشير درايس، في تصوير أولى مشاهد الفيلم في "فيلا سيزوني" في الجزائر العاصمة، المكان الذي شهد تعذيب الرجل وقتله.

شارك في الفيلم مجموعة من الممثّلين؛ من بينهم: خالد بن عيسى (في دور العربي بن مهيدي)، ونبيل عسلي وإيدير بن عيبوش. أمّا السيناريو، فاقتبسه عبد الكريم بهلول عن نصٍّ لمراد بوربون الذي قال إنه استند فيه إلى كتب ووثائق تاريخية لمناضلين جزائريّين وجنود فرنسيّين، إلى جانب شهادات أدلى بها رفاق بن مهيدي وأفراد من عائلته.

وقد بلغت ميزانية العمل قرابة ستّة ملايين يورو؛ إذ حصل على تمويلٍ من وزارة المجاهدين بنسبة 29%، ومن وزارة الثقافة بنسبة 40%، إلى جانب عددٍ من المؤسّسات الاقتصادية.

كان مقرّراً عرض الشريط السينمائي في السنة نفسها، ضمن احتفالية "قسنطينة عاصمة للثقافة العربية". غير أن توقُّف التصوير لأشهر، بسبب نفاد ميزانيّته حسب المخرج، أجّل ذلك، وهو ما ظلّ يتكرّر طيلة السنوات الأربع الأخيرة، إلى أن ُعلن مؤخّراً أنه بات جاهزاً للعرض.

لم يُحدَّد تاريخ نهائي لعرض العمل. لكن بدا أن الأمر مرهونٌ بصدور قرار رسمي بذلك؛ إذ ينصّ قانون السينما (2011) على "ضرورة حصول جميع الأفلام التي تتناول ثورة التحرير ورموزها على موافقة مسبقة من الدولة".

وبالفعل، قال وزير الثقافة، عز الدين ميهوبي، في تغريدة على "تويتر" إن لجنةً مكوّنة من مختصّين في الحركة الوطنية ستنظر في مدى مطابقة الفيلم للسيناريو الأصلي وللوقائع التاريخية، احتراماً لذاكرة البطل الشهيد ومساره النضالي".

بعدها بيوم واحد، أعلَن بشير درايس أن وزارة المجاهدين "منعت بثّ أو استغلال الفيلم، قبل أخذ تحفّظات لجنة المشاهدة بعين الاعتبار".

ونشر درايس على صفحته في فيسبوك، رسالةً تلقّاها في الثاني من أيلول/ سبتمبر الجاري من "المركز الوطني للدراسات والبحوث حول الحركة الوطنية وثورة أوّل نوفمبر" التي تُشرف على متابعة "الأفلام الثورية" تتضمّن قرابة أربعين ملاحظةً حول العمل، مُعتبراً أنها تُمثّل "تدخّلاً رقابياً يُهدّد حريّة الإبداع السينمائي".

ركّزت ملاحظات اللجنة على ضرورة إبراز المحطّات التاريخية في حياة بن مهيدي، وخصوصاً في جانبها المتعلّق بكفاحه المسلّح وتعرّضه إلى التعذيب، بدل التركيز على الخلافات الداخلية بين قادة "جبهة التحرير الوطني"؛ حيثُ يتطرّق الفيلم، مثلاً، إلى خلافٍ حادّ نشب بين بن مهيدي وأحمد بن بلّة في القاهرة.

غير أن درايس ردّ، في تصريحاتٍ إعلامية، بالقول إن المؤسّسة الرسمية أرادت فيلماً حربياً يتضمّن كثيراً من مشاهد العنف والمعارك، كبقيّة الأفلام التي موّلتها، مضيفاً بخصوص مسألة التعذيب: "لا يوجد أيّ دليلٍ على أن بن مهيدي تعرّض إلى التعذيب، وهو أمرٌ تؤكّده جميع شهادات الجنود الفرنسيّين الذين شاركوا في اعتقاله".

يُعلّق الكاتب والمسرحي الجزائري، احميدة عيّاشي، على هذا التصريح بالقول إنه "ينسف جدوى فكرة إنجاز فيلم عن بن مهيدي من الأساس، لأنّه يبرّئ الآلة الاستعمارية الفرنسية من أعمالها الوحشية"، معتبراً أن هذه المقاربة "تصبّ في إطار النزعة التحريفية للتاريخ الذي يُراد له أن يُكتَب وفق طريقة تتماشى والنزعة النيوكولونيالية".

يضيف عيّاشي في حديثٍ إلى "العربي الجديد": "هل علينا التصديق بأن درايس ضحيّة الرقابة على الإبداع، وهو من المنتجين المحظوظين والمدلّلين عند السلطة التي استفاد من دعمها المادّي منذ التسعينيات؟".

أمّا مدير "المركز الوطني للدراسات والبحث حول الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر"، جمال الدين ميعادي، فقال في تصريحٍ لـ "وكالة الأنباء الجزائرية"، إن تحفّظات المركز بخصوص الفيلم هي "إجراء عادي مطابق للقوانين المسيرة للإنتاج السينمائي"، مضيفاً أنها تسند إلى العقد المبرم بين الطرفَين قبل بث الفيلم.

في حديثٍ إلى "العربي الجديد"، يقول بشير درايس بأنه التزم حرفياً بالعقد الموقّع مع وزارة المجاهدين: "لقد شاهدوا الفيلم، ولم أعرضه مباشرةً في قاعات السينما". لكنه يعتبر أن عبارة "مغالطات تاريخية"، التي وردت في التقرير، تظلّ هلامية، لأن الأخير لم يقم بتحديدها. وبخصوص مسألة التعذيب، يُؤكّد المتحدّث أن العمل تضمّن مشاهد لتعذيب بن مهيدي، وقتله من قبل الجنرال الفرنسي بول أوساريس.

يتساءل درايس: "من هم أعضاء اللجنة وما هو وزنهم العلميّ ليُقرّوا عرض العمل من عدمه؟ أليس غريباً أن لا يحمل التقرير أيّ توقيع؟"، مضيفاً: "ميعادي نفسُه لم يُشاهد الفيلم؛ إذ كان غائباً خلال عرضه أمام اللجنة".

أخيراً، هل سيستجيب درايس لملاحظات "لجنة المشاهدة" ويقوم بتغيير مشاهد أو إضافة وحذف أخرى؟ يجيب مستبعداً ذلك: "إن كانت لديهم شجاعة كافية، فليعرضوا الفيلم وليتركوا الحكم الأخير للجمهور؛ فالعمل موجّه إليه وليس للإدارة".

ويختم بالقول: "الحلّ الوحيد للخروج من عنق الزجاجة هو عرض الفيلم على لجنة مستقلّة تتكوّن من مؤرّخين وباحثين معترف بهم".

المساهمون