فشل ضغوط الخارجية المصرية بشأن سدّ النهضة

11 أكتوبر 2019
الصورة
يصعب الضغط على الشركات العاملة بالمشروع (وانديمو هايلو/الأناضول)
+ الخط -
ما زالت مصر تحاول، دون جدوى حتى الآن، تحقيق أي خرقٍ عبر جهودها الدبلوماسية في قضية سدّ النهضة. وفي هذا الإطار، كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة أن حوارات "متقدمة" دارت بين وزارة الخارجية المصرية ووزارات الخارجية الإيطالية والفرنسية والصينية خلال الأسبوعين الماضيين، بهدف الضغط على الشركات الإيطالية والفرنسية وباقي الشركات الأوروبية المتعاونة مع إثيوبيا في إنشاء مشروع السد، لمطالبتها بفسخ عقود الخدمة أو وقف المشروعات لحين البت من قبل إثيوبيا والسودان في المطالبة المصرية بتفعيل المبدأ العاشر من اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015. ويفتح هذا البند باب الوساطة الدولية للتدخل بين الأطراف الثلاثة المعنية بالملف، شرط اتفاقها على ذلك، وهو ما لا يتوفر رسمياً في الوضع الحالي. وجددت الخرطوم، التي تبدو من الناحيتين الفنية والاقتصادية مستفيدة من بناء السدّ، ثقتها في إمكانية التغلب على الخلافات باستمرار المفاوضات، وكذلك فعلت أديس أبابا التي أصدرت بياناً بهذا الشأن الأسبوع الماضي، ليظهر التناقض بينهما وبين القاهرة، التي تخشى استمرار إهدار الوقت دون اتفاق.

وأضافت المصادر أن روما وباريس أبلغتا القاهرة عدم إمكانية الضغط على الشركتين الرئيسيتين من كلا البلدين، علماً بأن الشركة الإيطالية "ساليني أمبريجيرو" هي المسؤولة عن العمليات الإنشائية الرئيسية، والتي تكاد تكون انتهت، أما الشركة الفرنسية "جي أو هيدرو فرانس"، فتقوم بتوريد وتشغيل المولدات والتوربينات الكهرومائية، بتكلفة تصل إلى 62 مليون دولار، تشمل توربينين اثنين مصممين خصيصاً للسد، وخمس وحدات لتوليد الطاقة.

وأوضحت المصادر أن القاهرة تحاول الضغط من زاوية الالتزام بقواعد القانون الدولي التي تحتم على الدول المختلفة عدم المساهمة في إقامة مشروعات تؤدي إلى الإضرار باستفادة دول أخرى بمياه الأنهار والموارد الطبيعية. وتستند مصر إلى الأحكام التي صدرت سابقاً عن محكمة العدل الدولية، والتي لا يمكن الوصول إليها فعلياً إلّا بناء على اتفاق بين مصر وإثيوبيا في قضية سدّ النهضة، أو بينها وبين أي دولة أخرى ساعدت إثيوبيا على إنشاء السد، مع إلزام مصر بتقديم ما يثبت تضررها المباشر من هذه الممارسات.


لكن العقبة الرئيسية أمام نجاح المساعي المصرية هي أن القانون الدولي لا يخاطب بهذه القواعد الشركات الخاصة والمستثمرين، بل الدول، وأنه لا توجد لروما أو باريس سلطة فعلية في الضغط على الشركتين أو غيرهما. هذا الأمر يبدو في طريقه للتكرار أيضاً مع الصين الممثلة في مشروع السد بشركة "سينوهيدرو" للمقاولات الهندسية والكهرومائية، والمتخصصة في إنشاء السدود والخزانات العملاقة، والتي تسلمت حصتها من المشروع هذا العام فقط، ولم تسلمها للحكومة الإثيوبية حتى الآن.

وذكرت المصادر أن العقبة الأخرى هي أن الشركات الأجنبية العاملة في المشروع تقع تحت ضغط كبير من حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد لإنهاء أعمالها تحت الإدارة الجديدة للسد، خوفاً من تكبد أديس أبابا مزيداً من الخسائر، قدرتها الحكومات الغربية بنحو 700 مليون يورو سنوياً جزاء التأخر في إنهاء المشروع. وأشارت المصادر إلى أن الأمر ذاته يعتبر من المخاوف المحركة للموقف الإثيوبي الرافض للخطة المصرية لملء الخزان الأول، نتيجة ارتباط أديس أبابا بعقود مستقبلية تبدأ من العام 2022 مع شركات استصلاح زراعي من أوروبا والخليج العربي، وكذلك مع شركات إنتاج كهرباء، وأن استغراق الملء الأول فترة أطول من أربع سنوات سيكبدها خسائر مالية فادحة.

وكان الإثيوبيون قد ردّوا في جولتي المفاوضات الأخيرتين بالقاهرة والخرطوم على المقترحات المصرية أيضاً بأنها جميعاً -بما في ذلك مقترح الملء في سبع سنوات - ربما تؤدي إلى إفشال المشروع بالكامل، وهم يقدمون إلى الجهات الدولية والعواصم الوسيطة بيانات إحصائية تؤيد هذه المخاوف. وينعكس هذا الواقع بالضرورة على المستثمرين والشركات الكبرى التي ترغب في استغلال ما سيحققه السد من نجاحات محلية في توليد الطاقة الكهربية وتوفير مزارع سمكية وترشيد للمياه بإعادة استخدامها في الري المنتظم لمساحات أوسع من الأراضي غير المستغلة، وهي جميعها تمثل فرصاً للاستثمار السهل والمضمون في دولة تشهد تحولات اقتصادية عميقة للأفضل، وتدل كل مؤشراتها الاقتصادية على أنها تسير بثبات نحو طريق النهضة.

وفي ما يتعلق بمسألة الوساطة، التي لم تستمل القاهرة الخرطوم في صفها بشأنها حتى الآن، قالت المصادر الدبلوماسية إن هناك تخوفاً لدى السودان وإثيوبيا من اللجوء لوساطة دولة بعينها. وبناء عليه، ورغم سابقة دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للولايات المتحدة بالتدخل، فإن هناك بدائل أخرى مطروحة خلال الاتصالات غير المعلنة بين الدول الثلاث، منها العودة للمقترح المصري السابق بتدخل البنك الدولي، أو الاتحاد الأفريقي، أو الاتحاد الأوروبي، لكن جميع هذه البدائل لا يوجد حتى اللحظة توافق عليها.

وكان مصدر حكومي في وزارة الري المصرية قد كشف لـ"العربي الجديد" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، أن الجانب الإثيوبي ركز في الاجتماع الأخير بالخرطوم على ضرورة البناء على المبدأ السادس من اتفاق العام 2015 الخاص بأولوية شراء الطاقة المتولدة من السد لمصر والسودان، باعتبارها مفتاحاً لتقليص الخسائر المصرية الاقتصادية من المشروع. ويرتكز المقترح الإثيوبي الجديد الذي رفضته مصر في الجولة الأخيرة، كذلك، على ملء الخزان بخطة رقمية ثابتة خلال أربع سنوات فقط، أي بأقل من ثلاث سنوات مما تطالب مصر، ودون الأخذ في الاعتبار نهائياً منسوب المياه في بحيرة ناصر، الأمر الذي ترى مصر أنه سيؤدي حتماً إلى جفاف غير مسبوق وشح مائي بنهاية السنة الثالثة من الملء على أكثر التوقعات تفاؤلاً.

وتجتاح مصر موجة من الانزعاج الرسمي والشعبي بسبب وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، بحسب وصف الحكومة المصرية، رغم أن السيسي كان قد صرح مطلع عام 2018 بأنه "لم تكن هناك أزمة من الأساس حول سدّ النهضة"، بعد اجتماع في أديس أبابا مع نظيره السوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايله ميريام ديسالين، على هامش حضورهم قمة الاتحاد الأفريقي. وخالف السيسي بذلك كل التصريحات الرسمية المصرية التي أبدى فيها المسؤولون قلقهم وغضبهم من تردي المفاوضات، وميل الخرطوم إلى موقف أديس أبابا، وعدم مراعاة الدولتين المخاوف المصرية من تفاقم الفقر المائي. لكن الحكومة المصرية عادت منذ شهرين لتعرب عن مخاوفها من إطالة فترة التفاوض بحجة عدم الاستقرار السياسي في السودان، ثم اعترف السيسي خلال المؤتمر الثامن للشباب الذي عُقد الشهر الماضي بصعوبة الموقف، ملقياً باللائمة على ثورة 25 يناير 2011 بأنها تسببت في إسراع إثيوبيا في إنشاء السد الذي كان مشروعاً معلناً، وبدأ تنفيذه عملياً منذ العام 2010.

وتحدث المسؤولون الإثيوبيون خلال المفاوضات الأخيرة عن ضرورة احترام المبدأ الثامن المتعلق بالضمان الثلاثي المشترك لأمان السد، وذلك ارتباطاً بمتابعة أديس أبابا لوسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي المصرية التي تحمل بعضها مطالبات بتخريب السد أو العمل على تعطيل إنشائه. وأعربت إثيوبيا عن "الانزعاج لسماح السلطات المصرية بذلك"، على الرغم من أن الخطاب الرسمي المصري من السيسي ووزارتي الخارجية والري يركز على اتباع الحلول السياسية فقط، وهو ما انعكس في الواقع بظهور صفحات إلكترونية غير رسمية يرجح مراقبون تبعيتها لأجهزة استخبارية بكل من مصر وإثيوبيا، انخرطت في مساجلات عنيفة بسبب انسداد المسار التفاوضي.