فاجعة بيروت

11 اغسطس 2020

فاجعة بيروت التي دوّت في كل مكان، وتركت أكثر من إشارة استفهام، وكانت مثار تساؤل  الكثير ممن لفتهم الحدث الجلل، والانهيار الكبير الذي فجع به العالم عن بكرة أبيه، تذكّرنا بقصيدة الخنساء بعد مقتل أخويها معاوية وصخر، وهي واحدةً من الشعراء المخضرمين، ومن أشهر شعراء الرثاء؛ إذ غلب على شعرها البكاء، والتفجّع، والحزن وذرف الدموع. تقول: 
أَبي طولُ لَيلِيَ لا أَهجَعُ ..... وَقَد عالَني الخَبَرُ الأَشنَعُ
وفّجّعني ريبُ هذا الزَّمانِ ..... بهِ والمَصائِبُ قَدْ تَفْجِعُ

هذه الصورة الحزينة تعيدنا إلى الفجيعة التي حلت بمدينة بيروت. فالصورة التي شاهدناها وتسمّرنا أمامها أبلغ من الكلام، فقد ارتسمت ملامح الدمار الذي رمى بثقله على كاهل أهلنا في بيروت، وكان أوجعنا ما سبق أن رصدته الكاميرات والمحطات التلفزيونية اللبنانية التي أسرعت في نقل الحدث، وصورته بدقّة.

المأساة التي أوجعتنا وآلمتنا وأبكتنا، ولم تترك لكل من قرأ وشاهد وسمع بالانهيار الذي أصاب مرفأ بيروت ولم يستطع المواطن اللبناني، وحتى العربي أن يبلع ريقه وهو يشاهد الصور المؤلمة التي ضربت المنطقة وعددا من الأحياء والساحات الجميلة التي تحضنها بيروت.

الفاجعة مؤلمة والصدمة قاسية بالفعل، وصور الدمار لم تترك مجالاً لأحد بأن يقف على الحياد في تصوير الحالة التي كانت من العيار الثقيل. إنها جريمة العصر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وفاجعة بيروت نالت، وللأسف، من كل ناطق بلغة الضاد، وأدمتهم في مقتل.. فالخراب الذي رأيناه كان مرعباً، وشمل مساحات شاسعة من العاصمة بيروت، ست الدنيا، والوجع لم يقف عند حد معين..!

ماذا عسانا أن نقول في مثل هذا الحدث المهيب، وما زال أعداد الضحايا في ازدياد، والجرحى كذلك، فضلاً عن الجثث التي ما زالت تحت الأنقاض لم يعرف مصير أغلبها، ولم تستطع القوات الأمنية، ورجال الإنقاذ والدفاع المدني، والمتطوعون من الأخوة المواطنين معرفة مصيرها!

فاجأتنا الصور التي شاهدناها، وبكيناها حزناً، وقد تركت في قلوبنا غصّة، وفي عيوننا دموع حرّى، لأن بيروت تظل تعيش في القلوب وفي المآقي

الصور تظل أبلغ من أي كلام آخر.. هكذا إرادة مشيئة الخالق، ففي أقل من دقائق معدودة تحولت العديد من الأبنية في بيروت إلى خرائب متناثرة، ومسحتها كتل النار الملتهبة عن بكرة أبيها، ومن بين هذه الأماكن القريبة من المرفأ.. منطقتا الجميزة ومار مخايل النهر المحاذيتان لموقع الانفجار، واللتان تعرضتا لنسبة كبيرة من الدمار خصوصاً أن أبنيتهما قديمة وبعضها تراثي، يصيبك الذهول من هول الكارثة. الدمار شامل ومرعب.. من الجدران والأسقف المنهارة إلى القضبان الحديدية والواجهات الزجاجية المتناثرة، وعدد الضحايا ارتفع إلى أكثر من 160 ضحية، وأكثر من خمسة آلاف جريح جراء الانفجار الذي حول ميناء بيروت والأبنية السكنية القريبة منه إلى دمار كامل، وكل ذلك نتيجة تخزين 2750 طُنًّا من مادّة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار في ميناء بيروت، ومنذ سنوات!

آلة الدمار التي سحقت كل شيء، وأدمت قلوب الأخوة اللبنانيين، ولم تبقَ شيئاً على ما كان عليه. وبقدر ما كانت بيروت عاصمة الساحة العربية، والبلد العربي الوحيد الذي تظل له مكانة خاصة في قلب كل عربي عن دونها من البلدان التي سبق أن زرتها في غير مرة، وهي تختلف عن كثير من البلدان الأوروبية، فضلاً عن الولايات المتحدة الأميركية، البلد الاقتصادي العملاق، وغيرها.

سبق لي أن زرت مدينة بيروت أكثر من مرّة، وأوّل زيارة لها كانت في عام 1988 عندما كنت أتابع دراستي في كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية، وبقيت هناك إلى أن أنهيت تعليمي فيها، وأعقب ذلك زيارات متتابعة..

بيروت كانت ولا تزال مدينة الجمال والرَّوْعَة والراحة والاصطياف والاستجمام. بيروت كانت الأمل، وهي تعيش وإلى اليوم في قلب كل عربي سمع بها أو سبق أن زارها، وتجول في شوارعها، لا سيما أنها تعد بحق عروسا جميلة، لم يسبق أن رأينا مدينة عربية أخرى توازيها في طقسها الرائع، أو حتى تشبهها، لا قبلها ولا بعدها.

بيروت اليوم أصبحت، وللأسف، مدمّرة. مدينة منكوبة! فاجأتنا الصور التي شاهدناها، وبكيناها حزناً، وقد تركت في قلوبنا غصّة، وفي عيوننا دموعا حرّى، لأن بيروت تظل تعيش في القلوب وفي المآقي.

بيروت التي نحبها، ونعشق أهلها ومعاشرتهم. إنّهم أهل طيبون نشامى، ناسها يستحقون الود والاحترام، وهم أهل في التآخي والعطف، فكيف لنا أن نتصور أن بيروت خلعت ثوب عرسها الأبيض ودنّسته يد الغدر والإجرام، وطاولها الخراب والدمار الذي شمل الكثير من الأماكن التي تسحر الناظر.

بيروت التي خلعت عباءة الأناقة والجمال، والإشراقة الأجمل، ها هي تتحول اليوم إلى صورة تجلب الأسى جرّاء الخراب  و آلة الدمار وصورة الفجيعة التي لحقت بها، وآلمتنا جميعاً، وبكيناها حقيقة، وهي لا تستحق إلّا الوفاء والاحترام.. فكيف لنا أن نتصور هذا المشهد المفزع الذي أظن أن الذاكرة خانته، ولم تستطع أ ن تصوّب نحوه باقتدار، فكان مفاجئا للجميع، أبناء أهل وأصدقاء!

لبنان الجميل الذي كان الحاضنة الدّافئة لملايين العرب وقضاياهم، ومنارةَ علم وإبداع في المجالات كافّة، آخِر ما يحتاجه هو هذه الكارثة التي دمّرت نِصف عاصمته وشرّدت 300 ألف مِن أبنائه، وتُهدّده بالمجاعة بعد أن تأكّد حرق وتلويث مُعظم مخزونه من الغذاء في مرفأ بيروت، خاصّةً في هذا التّوقيت الذي يُواجه أزمة اقتصاديّة طاحنة، وانهياراً لعُملته المحليّة، وتفشّي فيروس الكورونا، وأكثر مِن 80 بالمِئة من شعبه يعيش تحت خطّ الفقر وعلى حافّة الجُوع.

إنها صورة لكاميرا أظن أن حاملها لم يتمكن من أن يلتقط ما يريد بعد ويكمل بعدسته، فظلت الصورة غير واضحة، فأنكرت ما التقطته عدسة كاميرتي، وتذكرني بيروت اليوم الضحية المفجوعة بمدينتي حلب والرَّقة المدمّرتين، وبمدينة الموصل  العراقية، التي لم تتخلص من الدمار الذي لحق بها، وما حل بمدينتي ناغازاكي وهيروشيما اليابانيتين، وما حصل أشبه  بالإعصار الذي ضرب ولاية لويزيانا الأميركية الذي زارها في عام 2006 وحولها إلى مدينة منكوبة لم تقم لها قائمة إلى اليوم!

انفجار بيروت كارثة رهيبة ناتجة عن عمل إجرامي سواء أكان بسبب الإهمال الحكومي، أم الهجوم العدواني، وفي كل الأحوال ترْك هذه الكمية الضخمة من المتفجرات الخطرة في مرفأ بيروت وسط السكان جريمة لا تُغتفر، تتطلب مُحاسبة المسؤولين مهما كانت أوزانهم السياسية، ومناصبهم الإدارية، وطوائفهم المذهبية.

وإذا كانت الكارثة الرهيبة قد وقعت بالفعل، ولم يبق أمام اللبنانيين سوى دفن ضحاياهم، وتضميد جراحهم، وتسكين آلامهم، وتجاوز محنتهم، وإعادة بناء خراب الانفجار، يظل السؤال ما هو مصير المفقودين والضحايا والجرحى الذين يعدّون بالآلاف جراء الدمار المرعب الذي حل بالمدينة. وفي لبنان لا يصدق الأهالي خلاصهم من مشكلة، أو (مصيبة)  ما، ويتجاوزونها إلّا أن يعودوا للوقوع في مشكلة أكبر، وأعظم.. وهذا حالهم!