غونتر غراس إذ يربك دولة

28 ابريل 2015
الصورة
كان أدباء يمنيون قد تناقلوا أنّ لقاء الرئيس علي عبد الله صالح بالأدباء المشاركين في مؤتمر "في البدء كان الحوار" وفي مقدّمتهم الكاتب الألماني الحائز جائزة نوبل للأدب غونتر غراس، يعدّ بمثابة دعاية لسلطة تدّعي الديمقراطية وتنتهك حرّية التعبير وحقوق الإنسان، إلاّ أن ما حدث أثناء اللقاء عصف بكلّ التوقعات وأربك المضيفين والمنظِّمين كما أربك الرئيس صالح والأوساط السياسية والثقافية اليمنية. 

فحين وصل غراس، حسب الموعد المحدد، إلى القصر الرئاسي اليمني ومعه أربعون كاتباً وكاتبة من ألمانيا والنمسا وسويسرا والدول العربية، تمّ الاحتفاء بهم بشكل لافت، وفي الصدارة كان غراس الذي سمع ثناءً لاهتمامه بالتراث اليمني، وسمع أيضاً أنّ الرئيس صالح قرّر منحه وسام الدولة التقديري. 

وهنا قال غراس إنّه لا يستطيع قبول هذا الوسام في الوقت الذي يوجد فيه كاتب يمني؛ وجدي الأهدل، مطلوب للمحاكمة من قبل الدولة بسبب رواية نشرها. فأخبره صالح أن الكاتب تجاوز العادات والتقاليد الاجتماعية وأن قضيته منظور فيها أمام القضاء لأن المجتمع يرفض كتاباته وليس السلطة.
لكن غراس الذي خبر إشكالية حرّية التعبير من خلال تجربته الشخصية التي بدأت مع كتابه الأوّل "الطبل الصفيح"، حيث اتهم بالترويج للأدب الإباحي والتعرّض للكنيسة ورجال الدين الذين طالبوا بمحاكمته ومنع كتبه، راح يشرح لصالح أحقية الأهدل في حرية التعبير وفي العودة من سورية التي هرب إليها، والعيش في وطنه بأمان، وقال إنّه لو كان يجيد العربية لدافع عنه في المحكمة.
وإذ أربك الموقف الرئيس اليمني، خاصة وأنّه كان أمام الكثير من الصحافيين المرافقين لغراس، فإنّه انفرد بمستشاريه ليسمع رأيهم، وفي مقدّمتهم مستشاره السياسي المخضرم عبد الكريم الإرياني، ليخرج بأمر يقضي بسحب القضيّة المرفوعة ضدّ الروائي الأهدل من المحكمة وضمان حمايته. وحينها هدأ الجو المتوتر وقبل غراس الوسام اليمني.

لم يقتصر طرح موضوع حرّية التعبير الأدبي على ما أثير أمام الرئيس اليمني حينها، بل شمل الكثير من جلسات مؤتمر الحوار الذي عُقد في صنعاء في الفترة ما بين 4 و 12 من شهر ديسمبر/ كانون الأول 2002، وشارك فيه أدباء من البلدان الناطقة بالألمانية بالإضافة إلى أدباء عرب.
تحدّث غراس، الذي رحل أخيراً عن سبعة وثمانين عاماً، عن تجربته في مواجهات المحرّمات الدينية والسياسية وكيف تعامل مع الرقابة بأنواعها المختلفة بما فيها رقابة القراء، فيما اعتبر أدونيس أن الرقابة، مهما كان شكلها، ضدّ الإبداع، مذكّراً بالجذور التاريخية في الثقافة الإسلامية لمفهوم المحرّم. واستعاد درويش تجربته الأولى مع رقابة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين لقصائده وكتبه. 

وإذ مضى الحديث إلى القضايا السياسية، أربك غراس الحاضرين من اليمنيين بقوله إنّه صديق للعرب كما هو صديق لإسرائيل، وإنّه من هذا المنطلق ينتقد ممارسات السلطة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين كما ينتقد الأعمال الانتحارية التي يقوم بها فلسطينيون. ولأن غراس قد بدا في طرحه مسائِلاً موقف الحضور فإنّ ردود الفعل كانت حادة، معتبرين أنه من غير الممكن أن تجتمع صداقته للعرب وللإسرائيليين وعليه أن يختار أحدهما.

تحاور المؤتمرون حول الأصوليات في الشرق والغرب، وحول مفهوم صراع الحضارات الذي اعترض عليه غراس، كما اعترض على الحرب التي كانت تحضّر وقتها على العراق، من دون أن ينسى نقد النظام العراقي و"ديكتاتورية صدّام".

لم يكن غراس يبدو متقصّداً إرباك حال الثقافة العربية، لكنّه وجدها على هكذا حال، فهي إذ تنشد الحداثة والتطلّع إلى المستقبل، ما زالت تبدو في سلوكيات القائمين عليها، مشدودة إلى الماضي، تجترّ نمطية محافظة وتقليدية. فغونتر غراس المعروف بممارسته الرسم والنحت وكتابته الشعر إلى جانب الرواية والمسرحية، كان قد أربك أيضاً المنظمين وهم يرتبون معرضاً لرسوماته، إذ بدا التخوف من أي لوحات قد تجرح الذائقة التقليدية.
كما تخوفوا أن تدعم انتقاداته للوحدة الألمانية ومعارضته لها، دعاة الانفصال في اليمن. وقد نجح الشاعر عبد العزيز المقالح، أحد أبرز المنظمين، في تجاوز الكثير من الاعتراضات بمساعدة الشاعرة العراقية أمل الجبوري وقد وصفها غراس بملكة سبأ الجديدة. 

مع هذا يمكن القول إن غراس بدا متلهفاً لاستكشاف ملامح الثقافة العربية، واليمنية منها بالذات. ومع غليونه الذي لا يفارقه حمل أيضاً ريشة ليرسم بها وجوه اليمانيين في المدن التي زارها: صنعاء وتعز وعدن وحضرموت.

وإذا كان المعارضون للملتقى قد خشوا من أن تكون التظاهرة عبارة عن دعاية للسلطة وللرئيس صالح، فإن غراس من خلال تصريحاته وجولاته مع عشرات الصحافيين الأوروبيين، نجح في أن يحوّلها فعلاً إلى دعاية، ولكنّها دعاية لليمن كلّه.
حتّى إنّه لم يتراجع عن التصريح بذلك، وكتب بعد أن رجع من اليمن، داعياً الألمان لزيارة هذا البلد والتعرّف إلى حضارته وثقافته المتميّزة. وكان قد وقف كثيراً مع العمارات الطينية في وادي حضرموت، ورأى فيها فنّاً مختلفاً عن فنون العمارة في العالم، حيث تبنى هناك البيوت من الطين فقط، لتلائم الظروف البيئية والصحية للسكان.
انتبه الأديب الألماني إلى بوادر زحف الإسمنت على شكل هذه العمارة النادر، فدعا إلى تأسيس مدرسة للحفاظ على النمط المعماري لها من خلال تدريس الأجيال الجديدة أساليب بنائها وطرقه، وهو ما عملته الحكومة اليمنية، إذ أسّست المدرسة في قصر دار السلام في تريم، وأطلقت عليها اسم "مدرسة غونتر غراس للعمارة الطينية" لتفتح في حضوره أثناء زيارته الثانية لليمن في يناير/ كانون الثاني عام 2004 تزامناً مع انعقاد ملتقى الرواية العربية - الألمانية.
لكن المدرسة التي تبرّع غراس بعشرة آلاف يورو لإنشائها لم يعد أحد يسمع بها، وصار من غير الممكن حتّى السؤال عن مصيرها في ظلّ الظروف اليمنية المضطربة.

وأظن، بالرغم من هذه الظروف، أن هناك من سيتذكّر افتتان الكاتب الشهير بالفولكلور اليمني، بأزيائه ورقصاته التي أدّى مع اليمنيين إحداها، كما تمنطق الخنجر "الجنبيةّ"، واعتبر أنه كُرّم في اليمن، وهو الحائز على جائزة نوبل للآداب، بطريقة لم يحظَ بمثلها حتى في ألمانيا.
(روائي يمني)


تعليق: