غليان في رومانيا: الشعب في مواجهة الفساد

09 فبراير 2017
الصورة
تراجعت الحكومة عن المرسوم لكن التظاهرات استمرت(مات كاردي/Getty)
+ الخط -
تاريخياً، رومانيا دولة هادئة في معظم العهود. ضجيج البلقان وتركيا وأوكرانيا يبدو أقوى منها في معظم محطات التاريخ. غير أن بوخارست تتحوّل في لحظة ما، إلى دولة متميزة بشخصياتها المتطرّفة أو تحوّلاتها العنيفة، التي ترسّخ وجوديتها في ذاكرة جماعية تتخطّى حدود جغرافية معينة، من فلاد دراكولا إلى نيكولاي تشاوشيسكو. ومع كل تحوّل ما، إقليمي بين البحر الأسود ومنطقة البلقان والشرق الأوروبي، أو على صعيد القارة الأوروبية، تبدو رومانيا مندفعة إلى أقصى الحدود في تبدّلاتها. دراكولا كان الخصم اللدود للإمبراطورية العثمانية على المقلب الآخر من البحر الأسود، وتشاوشيسكو أُعدم رمياً بالرصاص مع زوجته، إيلينا، صباح عيد الميلاد الكاثوليكي، في 25 ديسمبر/كانون الأول 1989، إيذاناً بانتهاء العهد السوفييتي في البلاد. أما اليوم فتشهد العاصمة بوخارست ومدن تيميسوارا وكلوج نابوكا وكرايوفا وغيرها، أقوى حركة احتجاجية منذ سقوط الحكم الشيوعي، أواخر حقبة الحرب الباردة (1947 ـ 1991).

لم يمنع شيء مئات آلاف الرومانيين من الخروج ذات ليلة باردة من فبراير/شباط الحالي، لمواجهة "مرسوم حكومي"، يهدف لحماية عشرات الفاسدين، وهو مرسوم "العفو عن الفاسدين في حال كان الضرر نتيجة تصرفاتهم لا يتعدى 200 ألف ليو روماني (ما يعادل 44 ألف يورو)". منذ ذلك، كان واضحاً بالنسبة للمتظاهرين أن المرسوم الجديد، في حال طُبّق، فإنه يعني عدم سجن زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، ليفيو دراغنيا، الذي يُحاكم بتهمة "الفساد المالي واختلاس 24 ألف دولار". كما يسمح المرسوم بالإفراج عن 2500 شخص مسجونين لأقل من خمس سنوات. مع العلم أن الحكومة برّرت المرسوم بـ"رغبتها في التخفيف من اكتظاظ السجون، لكن بإجراءات تتوافق مع الدستور". رفض المحتجون ذلك، باعتبار أن "المستفيدين الأساسيين من المرسوم هم المسؤولون والسياسيون الذين أوقفوا خلال الحملة ضد الفساد في السنوات الأخيرة". وفي المعطيات فإن القضاء يحقق حالياً في 2150 قضية "استغلال للسلطة"، وفي عام 2015، تمّت محاكمة 27 مسؤولاً رفيعي المستوى، بينهم رئيس الوزراء حينها فيكتور بونتا، إضافة إلى 5 وزراء و16 نائباً، معظمهم من اليساريين.


تراجعت الحكومة تحت الضغط عن المرسوم، لكن التظاهرات استمرت. وكان من أبرز تداعياتها استقالة وزير العمل والتجارة والمشاريع، فلورين جيانو، الذي كتب على صفحته على موقع "فيسبوك"، إن "قرار الاستقالة هو الفعل الصائب أخلاقياً، ليس لنزاهتي الاحترافية، فضميري مطمئن في هذا الشأن لكن من أجل طفلي". وأضاف "كيف يمكنني أن أرفع عيني في عينه وماذا سأقول له عبر السنوات؟ هل سأقول له والدك كان جباناً ودعم أفعالاً، لا يؤمن بها أم أنه أختار أن يبتعد عن قصة لا تناسبه"؟

وعلى الرغم من استقالة جيانو، إلا أن رئيس الوزراء سورين غرينديانو، لم يبدِ أي بوادر للاستقالة، بل يصرّ على مواجهة المرحلة المقبلة، والتضحية بوزير العدل فلورين يورداش، عبر التهديد بإقالته بسبب "فشله في شرح مضمون هذا المرسوم". أما الرئيس الروماني، المنتمي إلى يمين الوسط، كلاوس يوهانيس، فرأى أن "الحلّ لا يكمن في إلغاء المرسوم واحتمال إقالة وزير فحسب"، بل دعا إلى "استقالة الحكومة". وفي ظلّ اعتباره أن الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة "أمر مبالغ فيه، لكون الانتخابات الأخيرة حصلت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي هو من فاز بها، لذلك عليه اختيار رئيس وزراء جديد". وهدّد يوهانيس قائلاً إن "لم يحلّ الحزب الاشتراكي الديمقراطي هذه الأزمة، فسأدعو الأحزاب السياسية لإجراء مشاورات وفقاً لصلاحياتي".

إذا كان الرئيس الروماني جدياً في معالجة الأزمة السياسية، عبر الضغط من أجل استقالة الحكومة، فلا يعني الأمر سوى تكريس غياب الاستقرار على رأس السلطة التنفيذية في البلاد للشهر الثالث على التوالي. ذلك لأن رومانيا خرجت إلى الضوء، إثر تداول اسم سيفيل شهيدة لرئاسة الوزراء. وسيفيل هي زوجة رجل الأعمال من أصول سورية، أكرم شهيدة، وتنتمي إلى أقلية التتار في البلاد. غير أن تدخّل رئيس البلاد كان حاسماً، مانعاً وصول شهيدة لرئاسة الوزراء. ومع محاولة البعض إضفاء الطابع "العنصري" على موضوع رفض يوهانيس، إلا أن معارضي تعيين شهيدة وقتها، برّروا الأمر بأن "دراغنيا كان ينوي عبر طرح اسمها لرئاسة الوزراء، التحكّم بها، تمهيداً للعودة لاحقاً إلى رئاسة الحكومة". دراغنيا كان شاهداً على زواج أكرم وسيفيل في عام 2011.

وفي ظلّ التشابك السياسي، كان لافتاً إعلان وزارة الدفاع الرومانية يوم الثلاثاء الماضي، أن "500 جندي أميركي في الطريق إلى رومانيا في إطار التزام الولايات المتحدة بأمن الخاصرة الشرقية لمنظمة حلف شمال الأطلسي". وأوضحت الوزارة أن "الجنود الأميركيين غادروا يوم الاثنين بولندا إلى رومانيا، بعتادهم العسكري المكون من دبابات إبرامز أم1، ومركبات المشاة القتالية برادلي أم2، ومدافع هاوترز ذاتي الدفع عيار 155". الوحدة القتالية الأميركية هي جزء من الكتيبة الثالثة مدرعة، التي نشرت حوالي 3500 جندي و2800 قطعة فنية قتالية في بريمرهافين، شمال غربي ألمانيا، مطلع شهر يناير/كانون الثاني الماضي. ومن المقرر أن يجري الجنود فور وصولهم إلى قاعدة "ميهيل كوغالنسيانو" الجوية في مقاطعة كونستانتا جنوب غربي رومانيا، تدريبات على إطلاق النار بالذخيرة الحية والمشاركة في عدد من التدريبات متعددة الجنسيات مع الجنود الرومان. وسترابط الوحدة في رومانيا لمدة 9 أشهر، وبعد ذلك ستستبدل بوحدة قتالية أخرى لضمان وجود دائم على أساس التناوب المستمر في أوروبا.

قد لا يكون الوقت المناسب أوروبياً، لأزمة سياسية قد تفضي إلى تزعزع الاستقرار في رومانيا. يكفي أوكرانيا، التي تشهد توترات متصاعدة على وقع اغتيال عددٍ من مسؤولين عسكريين انفصاليين في حوض دونباس (منطقتي دونيتسك ولوغانسك)، في الأيام الأخيرة. وعلى وقع انسداد الأفق في رومانيا، يبقى الحلّ الوحيد هو استقالة الحكومة، لحماية نتائج الانتخابات الأخيرة، أو أن يصبح الحزب الحاكم نفسه نسخة أخرى من "سيريزا" اليوناني، الذي سطع بقوة في أثينا، قبل أن يتحوّل إلى "حزب سياسي آخر مكروه شعبياً".

المساهمون