غزيّون يحيون بالديون

23 اغسطس 2018
الصورة
قرارات جديدة (محمد الحجار)
+ الخط -

الظروف الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة تجعل معظم العائلات تعتمد على الاستدانة. إلا أن هذا بات صعباً أيضاً بسبب عدم القدرة على تسديد الديون

يعتمد الغزيون على الديون بشكل كبير. ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، أصبحت المنقذ الأساسي لهم للحصول على لقمة العيش، أو الأدوية، أو لشراء بعض الحاجيات المدرسية، أو تسديد الرسوم الجامعية. لكن الحصول عليها لم يعد سهلاً، لأن الديون أصبحت متراكمة لدى كثيرين. بعضهم يلاحق من الدائنين بشكل مستمر، فيما تمنع المحال التجارية الديون نتيجة عدم تسديد الديون المسجلة بعد.

وتنتشر اللافتات داخل غالبية المحال التجارية في قطاع غزة التي تمنع الديون وتطلب من المدينين تسديد ما عليهم من ديون لتوفير بضاعتهم التي تسد حاجة الناس لكن من دون جدوى. أسماء المدينين في دفاتر الدين لم تتقلص، وأعداد قليلة منها تسدد بنظام التقسيط الشهري لكن بمبالغ رمزية لا تسد حاجة أصحابها.

وكانت المحال التجارية وبعض الدائنين يعطون المال للموظفين نظراً لتوفر راتب شهري يمكنهم من خلاله تسديد أموالهم عند صرف رواتبهم. لكن في ظل تناقص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في غزة، الذين يشكلون النسبة الأكبر من عدد موظفي القطاع العام في غزة (62 ألف موظف)، والتي تعتمد الدائرة الاقتصادية بشكل أساسي على رواتبهم، الديون لم تعد متاحة لأحد.

للتأكيد (محمد الحجار) 


وزادت أزمة الديون في غزة في ظل استمرار حصول موظفي حكومة حماس السابقة، البالغ عددهم 42 ألف موظف، على 40 في المائة من رواتبهم الشهرية، إضافة إلى أزمة تسريح ألف موظف من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وتهديد مصير 9 آلاف موظف متبق في غزة، نظراً لأزمة المنظمة الداعمة للاجئين الفلسطينيين. بالتالي، تحول مجتمع غزة إلى مجتمع قائم على الديون، بحسب المحلل الاقتصادي بشير عمر. ويقول: "غزة تعاني من انعدام الأمن الغذائي. وبحسب تقرير المرصد الأورومتوسطي الصادر في يوليو/ تموز الماضي، فإن نحو 70 في المائة من سكان قطاع غزة يعانون بسبب سوء الأمن الغذائي، في ظل انخفاض المساعدات وتمويل المشاريع الخيرية والإغاثية لقطاع غزة. كما أن ارتفاع نسبة الديون مؤشر خطير لكارثة".



يضيف: "أصبح معظم السكان عاجزين عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء. بالتالي من الطبيعي أن ترتفع نسب الديون. وبحسب أرقام سلطة النقد الفلسطينية، فإن 70 في المائة من موظفي حكومة السلطة الفلسطينية تحسم نسبة كبيرة من رواتبهم بسبب القروض المصرفية".
ولا تمنح المصارف الغزيين قروضاً إلا في حال وجود كفيل يحصل على راتب مستمر ومضمون. لكن في ظل أزمة رواتب الموظفين وأونروا والموظفين التابعين لحركة حماس، فما من أمان وظيفي كي تمنح المصارف قروضاً لأي غزي مستغيث.


رفض الدين

أحمد المدهون، صاحب متجر كبير في حي الشيخ رضوان في غزة، يرفض إعطاء المال لجميع زبائنه منذ شهر فبراير/ شباط الماضي، خصوصاً أنه يستحق له من زبائنه نحو 70 ألف شيكل (22 ألف دولار أميركي). في بعض الأحيان، يعطي المال لزبائنه العاجزين عن تأمين وجبة طعام في يومهم. يقول لـ"العربي الجديد": "التسول في غزة ارتفع، والزبائن أصبحوا قلة. لا يمر يوم إلا ويأتي زبون لطلب أغراض لأن منزله خال من الطعام. في بعض الأوقات لا أستطيع منحه حاجته، لأن المتجر يحتاج إلى سيولة وحاجيات أخرى، وبسبب الظروف الاقتصادية، لا أستطيع إحضارها، ودفتر الدين كبير لأفض الغبار عنه".

الدين لم يعد في مقدور المتاجر (محمد الحجار) 


المدهون من بين كثيرين يرفضون الدين قطعاً في متاجرهم. ويقول أحد أصحاب محال المواد التموينية في منطقة الساحة، وسط مدينة غزة، أيمن جبر: "أقفلت فرعاً من محلاتي المنتشرة شرق مدينة غزة نتيجة عدم استطاعتي جمع الديون من زبائني التي تقدر بأكثر من 40 ألف دولار، ولم أحصل على شيء منها منذ ثمانية أشهر". ويقول لـ"العربي الجديد": "أكاد لا أجد رب أسرة في غزة إلا ويكون مديوناً بمبالغ كبيرة. للأسف، نحن ضحية حصار دمر الاقتصاد وجعل العمال يلزمون منازلهم، وانقسام سياسي ظلم الموظفين الذين باتوا يصنّفون فقراء".

هرب

تستمرّ المعاناة بسبب الديون لدى بعض المدينين الذين يمتنعون عن الجلوس في بيوتهم خلال أوقات النهار بسبب ملاحقة الدائنين المستمرة لهم. هؤلاء لا يملكون إجابة واضحة أو حلولاً للتسديد. وهذا حال رجب الطيب (50 عاماً)، وهو موظّف في أحد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. بدأ يشعر بالضيق من أزمته المالية هو الذي لا يتقاضى سوى 600 شيكل (160 دولاراً)، لا تكفي حتى لتأمين طعام أسرته المكونة من 7 أفراد.



يقول الطيب لـ"العربي الجديد": "في نظر الدائن، أصبحت رجلاً نصاباً. وفي نظر أطفالي
الصغار، صرت هارباً من الدائنين. سئم أطفالي من القول للدائنين إن والدهم ليس في البيت. في بعض الأحيان يشتمني الدائن. هل أحرم أطفالي الطعام القليل الذي أستطيع تأمينه لهم، أم أؤمن المال للدائن ونحن نجوع؟ صباح كل يوم، أذهب إلى البحر أو ساحة الجندي المجهول أو أزور أصدقاء وأعود إلى المنزل مساء". تبلغ ديون الطيب المتبقية عليه 8 آلاف دولار، وقد استدانها من أربعة أشخاص، لتسديد الرسوم المتبقية عليه لتحصل ابنته على شهادة التخرج من كلية التربية، ويؤمن لزوجته بعض الأدوية لأنها تعاني من مرض الكبد الوبائي، وتأمين بعض لوازم المنزل. لكن منذ حسم نسبة من رواتب الموظفين في إبريل/ نيسان الماضي وحتى الآن لم يسدّد شيئاً.

دفتر ديون (محمد الحجار) 


عزيز البصراوي (40 عاماً)، كحال الطيب، يخرج من منزله في مخيم الشاطئ كل يوم ويعود إليه مساء. ذات مرة، صادف أحد الدائنين ينتظره أمام منزله في المساء، واندلع شجار بينهما لأنه يتهرب منه. ووقع على ورقة بالمبلغ الذي يريده الدائن.

ديون البصراوي 6 آلاف دولار، وهو أحد الذين صُدموا بسبب حسومات رواتبهم من السلطة الفلسطينية. يقول لـ"العربي الجديد": "أجزم أن كل رب أسرة غزي لا يستطيع العيش إلا بالدين. احتجت المبلغ للقيام ببعض الإصلاحات في منزلي ودفع رسوم عملية جراحية في حنجرتي. لكن اليوم، لا أستطيع تسديد المبلغ وأتوقع دخول السجن".