غربال الثورة اللبنانية: عن الخسائر المباركة

01 نوفمبر 2019
الصورة
انفجر كل ذلك في 17 تشرين الأول الماضي(حسين بيضون)
+ الخط -
عام 2011، عندما بدأ الدكتاتوريون العرب بالتساقط، واحداً تلو الآخر، بدا الجميع في لبنان سعيداً. حتى أن أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله عقد مؤتمراً صحافياً في 19 مارس/آذار 2011، خلفه أعلام تونس، ومصر، وليبيا، والبحرين، واليمن، وصور للشعوب الثائرة في ساحاتها. سخر وقتها بابتسامة تكاد لا تظهر، من اتهام الولايات المتحدة بصناعة وإدارة هذه الثورات؛ "اتهامٌ ظالم لهذه الشعوب" قال.

قبل ذلك الخطاب بيوم واحد، خرجت أولى التظاهرات السورية في مدينة درعا مرددة "الله سورية حرية وبس". نعلم كل ما حصل بعد ذلك في سورية، ونعلم كل ما حصل بعد ذلك في لبنان.

في السنة الأولى للثورة السورية، تراكمت خسائرنا نحن اللبنانيين الذين أيّدنا حق السوريين بالحرية على الصعيد الشخصي. تساقط من حولنا أهل وأصدقاء وزملاء. هؤلاء الذين هللوا لأول برميل متفجر يسقط على رأس أطفال ومدنيين، خسرناهم. خسرنا أشغالاً ومؤسسات ظننّا أنها حقاً رأس حربة في الدفاع عن حريات الشعوب العربية. لم يحصل ذلك. مرّت السنوات، وتراكمت الدماء والجثث، والقصص المروّعة. ظهرت "جبهة النصرة" وتراجعت، ظهر داعش وتراجع، وذهب حزب الله إلى هناك، وبات تورّطنا نحن اللبنانيين في المأساة السورية شخصياً وعاطفياً.

في السنوات السبع الأخيرة، تعوّد كل منّا على التعامل مع خسائره على الصعيد الشخصي. حتى ظننّا أننا حصنّا أنفسنا بمجموعة من الأشخاص الذين يشبهوننا. خفت النقاش العربي في لبنان، لصالح نقاش محليّ عن الفساد، والبطالة وحق الطبابة والتعليم. ثمّ فاجأتنا معارك جاءت من حيث لم نحتسب: منع فريق مشروع ليلى من الغناء، إحراق خيم للاجئين السوريين، فرض شروط غير مفهومة لعمل اللاجئين الفلسطينيين.

انفجر كل ذلك في 17 تشرين الأول الماضي. فوجئت السلطة بمئات الآلاف في الشوارع، يريدون إسقاط كل شيء. الحرب الأهلية وورثتها، الفساد، الطائفية، العنصرية. يشتمون بشكل فج، من دون رادع. يوجّهون كلامهم إلى الرؤساء والوزراء والنواب. يسمّون الفاسدين بأسمائهم. حتى هؤلاء المؤيدون لأحزاب السلطة، نزلوا ولو على استحياء. ثمّ توسعت الدائرة، وامتلأت الساحات. لكل متظاهر قصة، لكل متظاهر ثأر مع هذه الدولة ورجالاتها. أعطيت طرابلس حقّ الكلام، تعرّفنا إلى أهلها وناسها وفقرها. أعطيت صور حقّ الشتم والصراخ والانتفاض. أعطي المسيحيون حقهم بالهتاف من دون خوف ومن دون اعتبارهم أقلية مهددة. للحظة بدا ذلك غير قابل للتصديق. لم يسمّها أحد باسمها في البداية. ألم يخبرونا أن هذا الشعب لا يعرف كيف يثور، وأن طائفيّته تنتصر رغم كل شيء؟ ألم يخبرونا أن الخروج عن طاعة القائد معصية؟ لكنها حقاً ثورة. ثورة تقطع الطرقات، وتعطّل الأعمال والمدارس، وتهتف باسم الفقراء، وباسم مستقبل أفضل وأكثر عدلاً ومساواة بين اللبنانيين.

أيام النشوة الثورية الجامعة، قاطعتها مجدداً كلمة لأمين عام "حزب الله". أخرج من جعبته اتهام "تمويل السفارات"، وطلب من جمهور الحزب الانسحاب من التظاهرات.

عاد أصدقاء وأهل وزملاء للتساقط من حولنا. هؤلاء الذين تصالحنا معهم في السنوات الأخيرة. حملوا كلام نصرالله داروا به في الساحات، تارة على شكل "متظاهر عقلانيّ خائف من المجهول"، وتارة على شكل بلطجية يقتحمون الساحات ويعتدون على المنتفضين، أو على شكل مغردين وصحافيين يبررون كل هذا العنف. ثورة أخرى، بخسائر أخرى، لكنها هذه المرة خسائر مباركة. فالغربال الذي سقطوا منه، أوصلهم إلى القاع. ومن ينزل إلى قاع بهذه البشاعة يستحيل عليه الصعود مجدداً.

دلالات