عودة إلى الوطن الأم في العطلة الصيفية

12 اغسطس 2018
الصورة
ثلاثة أجيال... والوجهة الوطن الأصلي (نيكولا فوكيه/ Getty)
+ الخط -
عطلة صيفية ممتعة، هذا ما يأمل به الجميع. لا بدّ من أن تكون كذلك حتى يروّح الناس عن أنفسهم بعد أشهر من العمل والدراسة. كثيرون تتكدر عطلهم لسبب أو لآخر، ومن هؤلاء عرب فرنسيون

خلال استعداده للسفر مع العائلة إلى مسقط رأسه في تونس، راح أحمد يسمع من أصدقاء ابنه تعليقات مفادها أنّ الفتى لن يحظى بعطلة حقيقية وبأنّ أمثاله "مساكين"، الأمر الذي جعل التوتّر يسيطر على سفرهم. وهذا أمر يتكرر، إذ يشكو كثيرون من أنّ أبناءهم يرفضون العودة معهم في الصيف إلى بلدانهم الأصلية. ويشير أحمد إلى أنّ "الأبناء يشعرون بالضجر بعد اليوم الثاني أو الثالث في الوطن، ثم يضغطون علينا لنودّع أهلنا ونقصد مدناً وشواطئ بعيدة".

ويخبر كيف أنّ إحدى بناته صرخت في وجهه: "أصدقاؤنا يزورون تركيا وماليزيا وأماكن جميلة في فرنسا، نحن نجهلها، وأنت تعود بنا إلى تلك القرى الطينية المنسيّة". يُذكر أنّ أحمد في الستينيات من عمره، ويحرص على العودة في كل عام إلى بلاده الأصلية، حتى يزور من تبقّى من أسرته. ويشدد على أنّ العودة ضرورية لأسباب روحية ونفسية، فهي "تمنحني كثيراً من السكينة".

من جهته، اعتاد عبد الرحمن السفر في كل عام إلى مسقط رأسه في تلك المدينة البعيدة في الصحراء المغربية. هو يواظب على ذلك للسنة الثلاثين على التوالي. يعرف أنّ الأمر صعب، لكنّ "الأمر من البديهيات" بالنسبة إليه. ويقول إنّ "العائلة تنتظرنا، وهي تتقلّص أكثر فأكثر مع الزمن"، مضيفاً "أشعر بأنّ أبنائي لا يريدون العودة. هم لا يعدّون ذلك عطلة صيفية حقيقية. لكنّهم ما داموا في كنفي، فلن يفوّتوا زيارة الأهل". ويؤكد: "حين تصير لهم أجنحة، حينها فقط يستطيعون أن يقرّروا ما يشاؤون".



ولأنّ الشوق كبير، ولأن استقبال الأهل أمر لا ينسى، فإنّ "كل شيء يهون" بحسب ما تقول حليمة الراجي. في صيف كلّ عام تستقل الحافلة في رحلة تستمر يومَين لزيارة عائلتها في الدار البيضاء (وسط غربي المغرب). وحليمة التي تقاعدت قبل خمسة أعوام، تعيش بمفردها في العاصمة الفرنسية باريس وتعاني من أمراض عدّة منها السكري، لكنّها لا تفوّت قط هذه المناسبة. تضيف: "أفضّل الحافلة على الطائرة، لأنّني أعرف العاملين في شركة النقل وأخاف أن أكون وحدي في المطار بالإضافة إلى أنّ التكلفة متدنية نسبياً. كذلك، أستطيع أن أحمل معي متاعاً أكثر وهدايا". وتشير كذلك إلى "جوّ الأخوّة الذي يميّز السفر بالحافلة، فأنا اكتسبت صداقات عدّة خلال أسفاري الماضية".

قبيل الابحار على متن عبارة فرنسية لقضاء لقضاء العطلة في تونس (نيكولا فوكيه/ Getty) 


سنوات طويلة مرّت على أحمد الوهراني (88 عاماً) وزوجته في فرنسا، ومنذ ذلك الحين يسافران لقضاء عطلتهما الصيفية في الجزائر. يخبر أنّه "كنّا نسافر مع أبنائنا وأحفادنا، لكنّ الأمور تغيّرت. والأحفاد لم يعودوا يرغبون في ذلك وآباؤهم مرغمون على البقاء معهم والسفر معهم إلى أماكن أخرى".

وفي حين أنّ هؤلاء يستطيعون السفر سنوياً على الرغم من بعض المنغّصات، فإنّ كثيرين من أجيال مختلفة يرغبون في العودة إلى البلد الأصلي غير أنّ ذلك ليس في وسعهم. جواد وزوجته في الأربعينيات من عمرهما وهما غير قادرَين على السفر مع ابنَيهما البالغَين من العمر (خمسة أعوام و13 شهراً)، على الرغم من انتظار الأهل هذا العام. يقول جواد: "شغلي كان متقطّعاً ولم أبدأ بالشغل الجديد إلا قبل سبعة أشهر، وهو ما يعني أنّه لا حقّ لي في العطلة، بالإضافة إلى أنّ ظروفي المادية لا تسمح بذلك. ولا أستطيع توفير ثمن بطاقات السفر المرتفع والهدايا التي ينتظرها الأهل في تونس".

وعجز جواد عن السفر الذي يرغب فيه، يشبه ما يشعر به آلاف من المتقاعدين الذين تختلف أسباب عدم سفرهم. رشيد الملالي، على سبيل المثال، مغربي لا يغادر المستشفى إلا ليعود إليه، يقول إنّ "حالتي لا تختلف عن حالات رفاق لي اشتغلوا معي في مناجم الشمال الفرنسي. كلنا منهكون". يضيف أنّ "لا شيء يسعد المرء أكثر من زيارة الأهل. وأنا أعيش هنا وحيداً، وأحياناَ تمر أسابيع من دون أن أرى أيّاً من معارفي وأصدقائي. الأمر ليس سهلاً".



والمرض ليس وحده الذي يحول دون زيارة المتقاعدين للأهل والأوطان، بل المعاش الهزيل الذي يتقاضاه كثيرون. ويسأل صالح الهاشمي، وهو متقاعد تونسي، عمّا يستطيع فعله بمبلغ 600 يورو. "هل هو كافٍ للسفر ولشراء الهدايا وكذلك لواجب القوامة"؟ ولا يرى حلاً سوى العودة إلى بلاده مرّة كل عامَين، "وهذا أضعف الإيمان. أقتصد كثيراً فأستطيع توفير بعض المال وأذهب كريماً مكرّماً".

ولا يتوقف المغاربيون عن مقارنة الأوضاع بين بعضهم البعض. في الغربة لا حدود بينهم، غير أنّ الحدود هناك بين دولهم، وهو ما يسبب لهم مشكلات هم في غنى عنها. يقول جواد، وهو جزائري مسقط رأسه قريب من الحدود المغربية، إنّه "في السابق، كنّا نستقل سياراتنا ونسافر إلى المغرب ومنها إلى الجزائر. لكنّ الأمر مستحيل اليوم". إلى ذلك، تختلف ظروف السفر بين أبناء المغرب العربي، فالمغاربة والتونسيون يستفيدون من وسائل نقل جوية كثيرة بما في ذلك طائرات "شارتر"، تُعَدّ أكثر تطوراً بالمقارنة مع الجزائر، وهو ما يوفّر للمسافرين تذاكر رخيصة الثمن وبالتالي يشجعهم على السفر. من جهة أخرى، وإذا كانت العطلة الصيفية تبدأ في شهر يوليو/ تموز وتنتهي مع شهر أغسطس/ آب، فإنّ كثيرين من المغاربة يفضلون السفر في أغسطس. وهو ما يشرحه الحاج أحميدو الذي يقول: "هكذا نضرب عصفورَين بحجر واحد. فعيد الأضحى المبارك هو خلال هذا الشهر، والعيد في بلادنا أفضل منه في أرض المهجر".