عن عمر

27 يوليو 2020

كنت أتمنى لو ألاقي عمر بن الخطاب هنا في الدنيا فضلاً عن تشوقي لملاقاته في الجنة طبعاً، ولطالما تخيلت -بيني وبين نفسي- ملامح الرجل وتعبيرات وجهه وانفعالاته وصوته ومشيته وجلسته، فأصبحَ بفعل الخيال الخصب والتكرار من أقرب البشر إليّ. أقولها والله بجرأة الأمل وأنا في مساكين المتأخرين وهو من هو.

وأفكر لو أنني رأيت رأيّ العين واحدة من هبّاته وغضباته وشدته في حقٍ رآه، وحضرت جفول الناس وانكماشهم مخافة بطشه، وكنت ضمن من سكتوا وأطرقوا لهبوب عواصفه، ثم شهدت معهم بكل العجب مراجعة صبي أو امرأة أو حديث عهد بالإسلام لكلامه، فزاد اضطرابي وخوفي من عواقب ذلك ومن مآلات مراجعيه، فإذا بنا نشهد ذوبان جبل غضبه أمام كلمة الحق ولو من أضعف الناس، وإذا بالصخر يستحيل ماء رقراقا شفيفا كأعذب ما يكون، وإذا بالرجوع أسرع مايكون، وإذا بالمدامع أقرب ما تكون، وإذا بالاعتذار لله والناس أوفر ما يكون، وإذا بالورع والتواضع واللين أوضح ما يكون!

أقول لو أنني حضرت واحدة من تجليات تلك الخلطة البشرية البديعة، اللاذعة والحلوة في آن، لربما ما غضبت بعدها من بشر قط، ولربما أحببت بني آدم جميعا كرامة أن كانوا في جنسه وقرابته.

المهم في كل ما جرى أن عمر بن الخطاب ساجل وأخذ ورد ولم ينفذ صبره حتى قال في النهاية ما يراه صوابا من ضرورة عزل الشجاع المغتر حتى لا يفتن الناس ويفتنه الناس

ولطالما تعجبت ممن يتصدون لكتابة الكتب عن سيرة مثله في عمومها وعددتهم من ذوي الهمم العالية. إذ كيف لهم أن يحيطوا مثل تلك الحياة الثقيلة بالذكر والتحليل فيما بين دفتي كتاب؟ وأنا التي كلما قرأت قصة واحدة من قصص الرجل، فاض شعوري بعشرات الخواطر والشجون، وعجزت في النهاية عن التعبير عن معشارها.

أتذكر الآن ما قرأته صبية عن عزله لخالد بن الوليد قائد الجيش وسيف الله المسلول وبطل الإسلام الذي لم يهزم في معركة قط، وكيف أن خالداً أناخ لأمر أمير المؤمنين ونفذه بلا مقاومة، لكنه أشفق على نفسه وعدّ ما ناله من عمر بن الخطاب ظلما، وطلب مساجلته في مسجد الرسول على رؤوس الأشهاد حتى يتبين من منهما المخطئ ومن المصيب.

ومختصر الحاصل أن عمر وخالد رديفان على قرابة من الأم، وكانا صديقين منذ الصبا. أسلم عمر قبل الهجرة، وتأخر إسلام خالد لما بعد الفتح. وكما كان إسلام عمر نصراً معنوياً هائلاً وعزةً للإسلام وجدار قوة ومنعة للمسلمين، كان إسلام خالد بشير نصر مادي تتحاكى به الناس، فكان بحق سيفا مسلولا ضمن تمدد جيش المسلمين شرقا وغرب فيما يشبه الخيال الذي لم يكن أحد ليحلم به! لم ينهزم خالد بن الوليد في معركة قط. ولك أن تتخيل ما يكون لفارسٍ من أمة البدو والعربان تقوى شوكته وتتوالى انتصاراته حتى تهابه جيوش كسرى وقيصر!

وقد كان لعمر بعض المآخذ على أداء خالد منذ حروب الردة أيام خلافة أبي بكر الصديق، وكان يرى أن سيفه "به رهق" أي تسرع وخفة في القتل. كما كان خالد - لعزته وقوة شخصيته- يتصرف في بعض المسائل دون الرجوع لخليفة المسلمين، ولم يكن عمر يرضى بذلك. وأخذ عليه بعض سفه الإنفاق في ولايته للشام رغم أنه أنفق على ما أنفق من خاص ماله. والشاهد أن صعود نجم خالد وانتصاراته التي رفعت أسهم دولة الإسلام للسماء لم تكفِ عمر بن الخطاب لكي يتجاوز عن أخطائه التي لم تجاوز الطبيعي من بشر، فعزله بداعي وقاية الناس من أن يفتتنوا به فيركنوا للدعة بفكرة أن قائدهم لا يهزم، فيصير صنماً للنصر يريدونه من دون العمل والاستبسال.

والحق أن لقارئ المشهد أن يتبحر في تفاصيل مآخذ عمر على خالد ما شاء أن يتبحر، وأن يقرأ بعدها فيما نُقل عن تلك المساجلة الطويلة بين الرجلين في مسجد النبي وبين مئات الحاضرين. وهي والله نموذج مبهر لما تتباهى به ديمقراطيات اليوم من سجالات بين فرقاء الحكم. نموذج سبق فيه هؤلاء العظماء بأخلاقهم سبقاً لا تجاوزه كل قوانين عصرنا حتى الآن.

وله في النهاية أن يرى صحة رأي عمر أو خطأه في عزل أقوى قواده، فهذا شأنه. لكن المدهش حقاً أن تعرف أن سجالاً صريحاً دار بين أقوى رجال الأمة وأصلبهم وأشدهم في الحق، وبين أقوى قائد عسكري لجيوشه، قام فيه قائد الجيوش باتهامه علنا بالجور عليه والعسف في حسابه، بل والغيرة منه ومن ذيوع صيته بين الناس! حتى وصل المقام بينهما لطلب خالد من عمر أن ينزل عن الإمارة ويعيد فتح باب البيعة!

والمهم في كل ما جرى أن عمر بن الخطاب ساجل وأخذ ورد ولم ينفد صبره حتى قال في النهاية ما يراه صواباً من ضرورة عزل الشجاع المغتر حتى لا يفتن الناس ويفتنه الناس. والمهم أيضا أن نرى خالدا القوي الشديد ذا المنعة والصيت والأتباع يخضع لرأي الإمام العادل وينزل على إرادته، ولا يحاجج من بعدها في الأمر أبدا، بل ينضوي تحت لواء القائد الجديد الذي عينه بن الخطاب ويقاتل بذات القوة والحماسة والتفاني.

والواضح في هذه اللقطة من القصة هو قوة عمر وحسن سياسته وبعد نظره ومعرفته بنفس صاحبه وإصراره على الحق الذي رآه.

لو أنني حضرت واحدة من تجليات تلك الخلطة البشرية البديعة، اللاذعة والحلوة في آن، لربما ما غضبت بعدها من بشر قط

 

لكنك تنظر بعدها كالعادة لترى جانب اللِين الذي لابد وأن يتسرب من أي مشهد للرجل فيمهد له القلب ليفترشه أبدا. فقد دارت دورة الزمن، واحتضر خالد بن الوليد على فراشه، فلم يختر من بين كل منعته وعشيرته ومحبيه من المسلمين من يوصيه بتركته البسيطة وبرعاية عياله مثل عمر بن الخطاب. يا الله! لم يعرف من بين كل من عرف من هو أقسط وأعدل وأرحم من بن الخطاب ليرعى عياله من بعده! ويبلغ ذلك عمر بن الخطاب فتسيل دموعه ويبكيه ويقر بأن تبكيه النساء ويقول فيه معترفا بفضله:  "دع نساء بني مخزوم يبكين أبا سليمان، فإنهن لا يكذبن، فعلى مثله تبكي البواكي".

والحق أنني طالما نظرت في تجليات هذا الخليط العجيب الذي تجانس للفاروق بين الشدة واللين، وحاولت أن أجد له أساساً ومنبعا، فلم أجد خيراً مما وُصف به رضي الله عنه من أنه "رجل ظاهره كباطنه". ووالله لم أجد في البشر من يعيشون حياة بمثل ذلك الزخم، ثم لا تجدهم يعتلون همّ الدنيا ولا يحسبون حساب زوالها، ولا يشغلهم فيها إلا أن يغادروها خفافا كما جاءوها، إلا كانوا بمثل هذا الوضوح في علاقتهم بأنفسهم، فيكون مظهرهم دليل مخبرهم، وكلامهم يتحدث بنيّاتهم، وجوارحهم تعمل بمثل ما في قلوبهم. قلوب سليمة ليس لها من الله إلا الجنة.

وظني أنني أحببت عمر بن الخطاب حتى من قبل أن أعرف عنه كل ذلك وأكثر. ظني أنني أحببته منذ عرضوا على فطرة الله السليمة لطفلة السادسة والسابعة بدايات السيرة. أظنني رأيت فيه شبها لتلك الفطرة. وأظن أن العقاد في العبقريات لاحقاً لم يضف لي حبا لعمر بقدر ما ساعدني في وضع مبررات لحبٍ مستقر منذ زمن. وللحق فلا أظن رجلا ظاهره بمثل تلك الشدة، وباطنه بمثل ذلك اللين لا يحبه الناس، فغالباً ما نحب حتى الطعام لتلك العلة، علة المفارقة واجتماع الضدين: مقرمش من الخارج وهش من الداخل!

رضي الله عنه وأرضاه وجعلنا في زمرة وشفاعة من صاحب.