في محبة أم منى

17 مارس 2020
+ الخط -

"من تأملات مارس مهما قسا، ووفاءً لأعياد النساء والأمهات والحبيبات، وابتعاداً متعمداً عن الوباء والقلق والأحزان، وابتهالاً بالشكر قبل الرجاء لمن بيده الخير ورفع البلاء".

كم رأيت من عاملات مثلها. كم عاينت من أنواع هذه الطبقة المطحونة من النساء، غالبيتهن طرح الريف، ساكنات العزب والعشوائيات، متزوجات منذ بدأن التذكر أو قل منذ بدأن الوعي. أو ربما بدأ الوعي بعد زواجهن، وبدأ ضغط الدنيا الضيقة والرزق الضيق والزوج الصعب من حينها وإلى الأبد. غالبيتهن يخرجن للعمل والزوج نائم فى سريره.

لا تسأل كثيراً عن الأسباب، متنوعة وكثيرة هي الحجج والمشكلات. الثابت الوحيد أنها كأم ستخرج صاغرة للعمل لإطعام الصغار الذين يفطرون فؤادها بجوعهم وضعفهم وحاجتهم. ترى طباع الريف فيهن. حذر الضعفاء ومكرهم والكثير من الالتفاف واختلاق القصص والاستضعاف و"الكُهن" الفلاحي الذي يؤكد ميراثاً طويلاً من الفقر والانسحاق والانحناء لنوائب الدنيا. صغيرة كنت حين كان كل ذلك يثيرني ويغضبني وأعتبره مذمة، أما الآن فأظنني أدركت ضعفي وقلة حيلتي في هذه الحياة وأصبحت أتفهم وأعذر.

عشرتنا الآن تقارب الاثنتي عشرة سنة. ممتلئة هي بكثير المزايا والعيوب.. مثلي ومثل الجميع. لكن ما عرفته بالعِشرة عن حياتها قرّبها إلى قلبي جداً بالرغم من أي اختلاف. 

خدمَت زوجاً مقعداً لسنين طويلة، ثم أصبحت أرملة بثلاث بنات صغيرات وتعمل خادمة بأجرة يومية لإعالتهن. زوجت اثنتين بشق الأنفس، وتدعو الله بإعانتها على الثالثة. ومع كل هذه الأعباء تبكي لأن أخواتها المتزوجات صاحبات البيوت والأرض في قريتهن لم يطيقن إقامة أختهن الأرملة الفقيرة معهن وقامن بطردها. تجمع كل ما يمكنها جمعه وتحمل عبء توقيع إيصالات أمانة لكي تبني للمسكينة غرفة مسقوفة تعيش فيها، ثم تسعى لإدخال الكهرباء إلى الغرفة، ثم تتعثر الأخت في سداد الأقساط لشركة الكهرباء فتدفعها عنها، وتتحمّل مشقة ومصاريف السفر لبلدتهم كل حين لإقالة عثراتها وإصلاح ما بينها وبين أخواتها، ثم تتحمل غضبات تلك الأخت وطبعها الصعب وسوء ملفظها ومشاجراتها مع الجيران، ثم لا تتوقّف عن السؤال عنها بالاتصال شبه اليومي.. ثم.. ثم يحدث أن تنفطر عيناها مرة بدموع تأثر لا أعرف لها وصفاً وهي تخبرني بأن "أم سهير امبارح دعتلي فى التليفون وقالتلى ربنا مش حيسيبك يا رشيدة على المعروف اللى عملتيه معايا".


وكأن فرجاً ربانياً قد وصلها مع الدعاء، وكأن حملاً صعباً قد وضع عنها بتلك الكلمات.. وكأنها ربحت الجائزة!

أمس حكت لي عن "بوسي" صغرى البنات ذات الخمسة عشر ربيعاً. تعرفت إلى أحدهم عن طريق صديقاتها وتريد أن تتزوجه: "مش عايزاها تخيب خيبتى.. عيل عنده عشرين سنة وصايع.. شغال يوم وعشرة لأ.. بقولها يا هبلة خدى شهادتك الأول.. تقولى ويعنى مها عملت إيه بالشهادة.. ما هي قاعدة اهيه"..

ضحكت وعجبت لقوانين الحياة التي نحياها. قوانين الكيمياء والبيولوجيا هي ما تدير هذه الدنيا بلا شك. البنت ترى بعينيها مآلات صعبة لمن لا تتسلح بالعلم والعمل في زماننا، ولا تبدو مكترثة لشيء. ربما صغيرة طائشة، وربما كل ما ندّعي معرفته محض هراء لا تأثير له إلا داخل عقولنا، بينما الواقع على الأرض تحكمه الغدد والهرمونات من الأزل وإلى الأبد.

عندما مرضت أمي منذ خمس سنوات، عاملتنا أم منى بما أظنه يليق بقلبها الكبير. لم نحتجها إلا ووجدنا منها زيادة عما نتوقعه.. مروءة وكرم وتعاطف وكأنها قريبة حميمة لا عاملة. وعندما دخلت ماما المستشفى مؤخراً وجاءت لزيارتها، وجدتُ أمي المتعبة ثقيلة الكلام تتهلل لرؤيتها، وتشد على يدها وتدنيها منها وتقول لها إنها تنتظر منها أن تزوج البنت الصغرى وتبيع شقتها وتأتي للإقامة الدائمة معها في بيتنا: "نتسند إلى بعض أنا وأنتِ وإن شاء الله ناكل عيش وجبنة سوا حنبقى مبسوطين يا حبيبتي". تقولها ماما للسيدة الستينية رقيقة الحال التي جربت عشرتها الطيبة ولا تقولها لي أنا! ربما لأنها لا تضمن مسايرتي لها في مسألة العيش والجبنة دي!

تذهب لتنظيف مسجد قريب من بيتها مرتين أسبوعياً. المكنسة الكهربائية للمسجد قديمة ومتهالكة والقائم على أمور المسجد يصرّ على عدم تغييرها ويدفع حق إصلاحها متضرراً ويتهمها بالإهمال. لكنها متمسكة بخدمة المسجد منذ نحو عشرين سنة. تؤمن بأن ستراً ما يأتيها من تلك الجهة. تحكي أنها تصلح المكنسة على حسابها مرة، وتطالبه بإصلاحها أخرى: "لو كل ما عطلت رحتله مش حيرضى. عارفة.. النوبة اللي فاتت لما عطلت قلت والله لأشترى مكنسة حماة مها.. مكنسة جديدة بكرتونتها.. مش عجباها إكمنها عينها على بتاعة مها.. عايزة زيها.. ولية متعبة أصلها.. عيالها حيجيبولها واحدة تانية فى عيد الأم.. قلت لمها أنا حأشترى بتاعتها للمسجد.. من معايا يعنى.. عشان ربنا يهديلي بوسي".

ربنا يهديها يا حبيبتي.. ويهدينا لما هداكِ. كل سنة وأنت وكل جنسك بألف خير.

دلالات

مدونات أخرى