عن دراما تلفزيونية فلسطينية

14 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
استقبل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قبل عامين، طاقم المسلسل الكوميدي، "كفر اللوز"، وهنأهم بنجاح هذا العمل الذي أنتجه تلفزيون فلسطين، وسمع الممثلون، والمخرج، منه كلاما مشجّعا، عن "أهمية تقديم الدعم اللازم في سبيل الارتقاء بالدراما التلفزيونية الفلسطينية، والأشكال الإبداعية كافة". ولا يحتاج واحدُنا إلى حصافةٍ زائدةٍ ليحدس أن هذا الذي أفضى به عباس محضُ كلام مرسل، جاء على لسانِه مجاملةً لضيوفه، فمن نقصان العقل ربما أن تُلام الحكومة الفلسطينية إذا قصّرت في تقديم الدعم اللازم للدراما التلفزيونية، وهي التي بالكاد توفّر المرتبات الشهرية، أو نصفها، لموظفيها ومنتسبيها. غير أن إنتاج تلفزيون فلسطين الحكومي مسلسلا تلفزيونيا، كوميديا، نجح في ضم مواهب وكفاءات فلسطينية قديرة وأخرى واعدة، وفي جذب جمهور عريض له، أمرٌ له أن ينال الثناء. ويحسُن أن يُذكر أيضا إن تلفزيون فلسطين اجتهد، حتى سنوات قليلة، في محاولته صناعة دراما تلفزيونية فلسطينية، أو على الأصحّ، في إنجاز طموحٍ كهذا، فأنتج أعمالا قرأنا أن مستوى بعضها جيد، واستُقبل من الجمهور المحلي باهتمام، منها "الكنعاني" و"الإخوة الغرباء" و"ليالي الصيادين" و"يوميات أبو العز". وكما "كفر اللوز"، فإن هذه المسلسلات، وأخرى غيرها، لم تحظ بأي ذيوعٍ عربيا، لعدم عرضها على شاشاتٍ رئيسيةٍ في مواسم الدراما السنوية في شهر رمضان. ما يعود إلى نقصان الثقة المسبق بها، وعدم نجومية أيٍّ من الفنانين فيها، فضلا عن ضعف خبرة صنّاعها في تسويقها وترويجها. وكما غيرُه من المهتمين (إلى حد ما) بأمر الدراما العربية، لم يُشاهد صاحب هذه الكلمات أيا من هذه الأعمال، لغيرٍ سبب وسبب.
ولقد توطّن في المدارك أن الدراما العربية، السورية والأردنية خصوصا، هي الأقدر على إنجاز مسلسلاتٍ تلفزيونية عن القضية الفلسطينية، أو أيٍّ من محطاتها، أو عن المجتمع الفلسطيني عموما. وأنه ليس في وسع الفلسطينيين، في بلادهم نفسها، بسبب عراقيل وصعوباتٍ بلا عدد، إنجاز أعمال درامية، طيّبة المستوى خصوصا. وجرى التسليم بهذه "البديهية"، سيما مع تتابع مسلسلات عربية عن الموضوع الفلسطيني، منذ "عز الدين القسام" في 1981 (كتابة أحمد دحبور وإخراج هيثم حقي، إنتاج دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية وتلفزيون قطر)، و"حدث في المعمورة" (سيناريو محمود شقير، إخراج صلاح أبو هنود، 1981)، مرورا ب"وجه الزمان" (رواية طاهر العدوان وإخراج سعود الفياض، إنتاج التلفزيون الأردني، 1988) و"نهارات الدفلى" (قصة فواز عيد، وإنتاج التلفزيون السوري، 1994)، و"هبوب الريح" (سيناريو محمود الزيودي، إخراج محمد عزيزية، إنتاج التلفزيون الأردني، 1985)، و"عائد إلى حيفا" (سيناريو غسان نزال، إخراج باسل الخطيب، 2005)، و"الطريق إلى باب الواد" (سيناريو رياض سيف، إخراج رضوان شاهين، 2011) وغيرها من أعمال متباينة الجودة. وفي الأثناء كان العمليان الأنضج، "التغريبة الفلسطينية" (سيناريو وحوار وليد سيف، وإخراج حاتم علي، 2004)، و"الاجتياح" (سيناريو رياض سيف، وإخراج شوقي الماجري، 2007).
سيقت السطور أعلاه للتنويه إلى أن مسلسلا فلسطينيا تماما، تم تصويره في فلسطين، عُرض في رمضان الماضي، يخلخل تلك القناعة الذائعة عن عدم قدرة الفلسطينيين على إنجاز عمل درامي، فلسطينيٍّ خالص، فضاء وطواقم وإنتاجا، لا لنقصٍ في مواهب وكفاءات لديهم، وإنما لنقصان الشروط التي تلزم لصناعة دراما متطوّرة، وقادرة على تسويق نفسها. إنه مسلسل "أولاد المختار"، عرضه تلفزيونا فلسطين وقطر، جرى إنجازه في 19 شهرا، بتكلفة نصف مليون دولار، وإنتاج شركةٍ خاصة، تم تصوير غالبية مشاهده في قرية قرب جنين، وتمتد حكاياته من 1947 إلى 1980. تحضر فيه الموضوعة الفلسطينية، بجوانب متعدّدة، منها النضالي والاجتماعي، ويضيء على تخلف عادات موروثة، ولا يتجاهل وجود خونة، فيما يعلي من المقاومة والتكاتف الاجتماعي والارتباط بالأرض وقيم الكفاح في الحياة. سيناريو هشام كفرين، وإخراج بشار النجار. فيه هناتٌ ومؤاخذاتٌ غير قليلة، غير أن المغامرة الجسورة في إنجازه يحسُن أن يُبنى عليها، وأن تُستقبل بتشجيعٍ طيب. ولا تزيّد في الزعم إن هذا المسلسل الذي اشتمل على مقادير وفيرة من التشويق والفكاهة، وعلى أداءٍ عال في تمثيل أبطاله (سيما النجم أحمد أبو سلعوم) يفوق في جودته فنيا أعمالا مصرية وسورية تصدّرت شاشات رمضان الماضي.

دلالات