عن تجمّع مقدسي ضد كورونا

23 مارس 2020
الصورة
تكشف الأزمات أنواعا مختلفة من الناس، فمنهم من يتعامل معها باللامبالاة، ومنهم من يحاول إيجاد جهة أو شخص لوضع اللوم عليهم، وهناك من يبدع في البكاء والعويل بشأن أوضاعنا وصعوبتها، ولكن هناك أيضا من يرفض البحث عن كبش فداء، ليلومه ويقرّر، على الرغم من الصعاب والظروف غير المناسبة، أن يواجه الأزمة بثقةٍ، وبتضافر الجهود ولو كانت متواضعة.
يبحث المبادر في معالجة أي أزمة عن نقاط القوة، وقد وجد المقدسيون ثلاثةً مصادر لقوتهم: عدد كبير من المؤسسات غير الحكومية في مدينتهم. وشباب وشابات مستعدون للتطوع ولخدمة شعبهم. والمصدر الثالث (قد يبدو غير متوقع) غياب القيادات المتنفذة، ذلك أن المقدسيين يتامى سياسيون يعني أيضا أنه لا توجد قيادات لوقفهم عن الإبداع والعمل الحر، أو عن سرقة إنجازاتهم.
يعكس التجمع المقدسي لمواجهة الكورونا الفريق الذي يحاول الاستفادة من نقاط القوة، فأفراد الشعب في المدينة المقدسة وجدوا أنفسهم أيتاما سياسيين، فلا الاحتلال مهتم بهم، ولا يسمح للقيادة الفلسطينية أن تتدخل وتساعد أبناءها في العاصمة المستقبلية. وقرر الشباب والشابات، أصحاب المبادرة المقدسية، أن يبادروا وينظموا أنفسهم، فتم التحالف بين 36 مؤسسة وعدد كبير من المتطوعين الذين وزّعوا عملهم جغرافيا وبرامجيا، فقد تم تقسيم القدس الشرقية جغرافياً إلى ثلاثة أقسام، الشمال ويشمل شعفاط وبيت حنينا، الوسط ويشمل البلدة القديمة والشيخ جراح وسلوان، الجنوب ويشمل أم طوبا وجبل المكبر والسواحرة وغيرها. وفي مجال العمل البرامجي، تم تقسيم النشطاء إلى ثلاث مجموعات، من أجل العمل على التوعية عبر التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، من أجل تنظيم عمل المتطوعين، وخصوصا في مجال تعقيم الأماكن العامة، منها المسجد الأقصى ومواقع في البلدة القديمة، والمجموعة الثالثة للعمل مع خبراء الصحة، ومنها منظمة الصحة العالمية، وبعض الأطباء في المستشفيات المقدسية، 
بهدف وضع برنامج متكامل لكيفية التعامل مع الوباء في القدس، والتواصل معهم لترتيب عمليات التوعية وعمل المتطوعين.
وعلى الرغم من أن القائمين على المبادرة أكّدوا أن عملهم غير سياسي، إلّا أن المحتل، كعادته، تحسس من التحرك الفعال، وربما شعوراً بأن عملهم فضح تقاعس المسؤولين الإسرائيليين، فاعتقل عشرة شباب متطوعين في أثناء قيامهم بعمليات التعقيم للأماكن العامة في القدس، بتهمة العمل غير القانوني، ثم أطلق سراح ثمانية منهم، وفرض الإقامة المنزلية الجبرية عليهم، وأبقى اثنين تحت الاعتقال نوعا من العقاب، أو بغرض الردع. ولكن شباب القدس الذين وقفوا وقفة تاريخية رفضاً للأبواب الإلكترونية التي أقامها المحتل أمام المسجد الأقصى، وأصرّوا على حقهم بفتح مصلى باب الرحمة، لا يمكن ردعهم بسهولة، فقد زاد القمع الإسرائيلي من عزمهم وإصرارهم على النهوض لتوسيع مبادرتهم، فانضمت إليهم مؤسساتٌ عديدة انتدبت موظفين لديها للعمل الدائم ضمن التجمع المقدسي لمواجهة كورونا. وفيما كانت النائب في الكنيست الإسرائيلي، عايدة توما سليمان، تكافح من أجل حق الفلسطينيين في الداخل بالتوعية بلغتهم العربية بشأن كيفية مواجهة الفيروس، كانت منشورات التجمع المقدسي المعبرة والواضحة، والتي تمت بموافقة الخبراء، قد ملأت الفضاء الرقمي، ليس فقط في القدس، بل أيضا لدى فلسطينيين وعرب عديدين.
وفي وقت بدأت أصوات إسرائيلية عنصرية تطالب بمنع المقدسيين العرب من التنقل إلى المناطق في غرب القدس (وهو تناقض لادعائهم بتوحيد القدس)، يجب ألا يتوقف نجاح التجمع المقدسي في مواجهة الكورونا عند الانتهاء من هذه الأزمة، بل يجب أن ينتقل إلى مواضيع حياتية أخرى، منها مشكلات السكن والعمل والسياحة والتنقل وغيرها. وقد تستطيع قوى الاحتلال منع التواصل بين المقدسيين وقياداتهم الوطنية والإسلامية، ولكنها تعجز عن منع أبناء القدس من التكاتف، لخدمة مجتمعهم وتقوية الأوصال وتمتين الصمود، رغماً عن محاولات المحتل. وعلى التجمّع المقدسي، وغيره من المجموعات التي قرّرت التحرك والمبادرة، ألا تعير أي اهتمام لمن يزايد أو ينتقد من خلال النقر على الكمبيوتر، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، من دون عناء العمل الحقيقي وتلامس مشكلات الناس.
ومع ضرورة تأييد كل المبادرات، يجب الاتفاق على أهمية توفير مساحة لها، لكي تعمل حتى وإن أخطأت، فمن لا يعمل لا يخطئ. إذاً، لنتحمّل المبادرين، حتى ولو أخطأوا، ولنستغل الأخطاء كدروس لتحسين العمل، وليس للإحباط والفشل.
في كل أزمة، هناك من يشكو وهناك من يعمل، فتحية لمن يعمل ويقدم بلا ملل أو إحباط.