عن النفوذ اليهودي في أوروبا

07 ديسمبر 2018
الصورة
+ الخط -
تنقل المصادر التاريخية أن سكان الجزيرة البريطانية استاءوا، في منتصف القرن الثالث عشر، من تزايد قوة اليهود وتنامي ثرواتهم، وتفاقمت النقمة عليهم إلى درجة اتهامهم بقتل المسيح وأطفال المسيحيين في طقوسٍ عرفت آنذاك بـ "وسمة الدم"، وأن الملك إدوارد الأول تجاوب مع المزاج الشعبي، بفرض ضريبة خاصة على اليهود، ووفقًا لبعض المصادر، أجبرهم على ارتداء علامات صفراء لتمييزهم، وفي نهاية المطاف، قرَّر، في عام 1290، طرد كل اليهود من بريطانيا. وبالفعل، هرب قسم منهم خوفًا على حياتهم، وتحوَّل قسم آخر إلى المسيحية (ولو ظاهريًّا) لاتقاء شرّ الترحيل أو القتل. وتقول الروايات التاريخية أيضاً إن أوليفر كرومويل سمح بعودة اليهود الى إنكلترا في القرن السابع عشر، وسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية علنًا، للاستفادة منهم في حروبه التجارية مع البرتغال وهولندا وإسبانيا، حيث كان اليهود جالياتٍ مؤثرةً بثرواتها وقدراتها التجارية واتصالاتها الدولية.
وبالانتقال السريع إلى الزمن الراهن، لا يبدو أن الكثير تغير، لا في سلوك يهود أوروبا، ولا في موقف الأوروبيين من قوة اليهود ونفوذهم، فنتائج استطلاعٍ، نشرتها "سي إن إن" الأسبوع الماضي، تكشف عن تذمر أوروبي، بسبب ما لدى اليهود من نفوذ "أكبر من اللازم" في مجالات التجارة والأموال، وما لهم من نفوذٍ في الإعلام والسياسة، وتأثير مفرط على النزاعات والحروب في أنحاء العالم، كما عبر عن ذلك 28% من سبعة آلاف مشارك في الاستطلاع. وبخصوص المحرقة، قال 34% إنهم لا يعرفون أي شيء، أو يعرفون "القليل جدا" عن إبادة اليهود الأوروبيين التي وقعت قبل 75 عاما. وقال 32% من الأوروبيين إن اليهود يستغلون المحرقة "لدفع مواقفهم وتحقيق أهداف معينة". وقال حوالي ثلث المشاركين في استطلاع "سي إن إن" إن انتقاد إسرائيل ينبع من معاداة السامية، وفي ذلك نجاح بَيّن للدعاية الصهيونية التي تتعمد الخلط بين اليهود وإسرائيل، وبين مناهضة إسرائيل و"معاداة السامية"، وبين اليهودية والصهيونية، مع الحرص على تحميل العالم مسؤولية ما تعرّض له اليهود، وأن "التطهر" من ذلك الذنب لا يكون إلا بدعم إسرائيل.
وتؤكد هذه النتائج خلاصات دراساتٍ سابقةٍ كشفت عن توظيف تنظيمات اللوبي الصهيوني فزّاعة "معاداة السامية" لتشويه خصوم إسرائيل، وثني الرأي العام الغربي عن التعاطف مع الحقوق الفلسطينية، ودفع الناس إلى تقبل الرواية الصهيونية على علاتها. وفي المقابل، استثمار منجم "الوجع" اليهودي لابتزاز العالم الحر، مادياً وأخلاقياً، وحشره في مربع الصمت عن كل الممارسات الإسرائيلية التي توغل يومياً في الوجع الفلسطيني المفتوح.
وأظهر الاستطلاع ميلاً نحو لوم إسرائيل واليهود على معاداة السامية. ويذكّر هذا بما كتبه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ونستون تشرشل، في وثيقة لم ينشر مضمونها إلا في العام 2007، حمّل فيها اليهود مسؤولية جزئية من العداء والاضطهاد الذي عانوه. ووصف تشرشل، في مقال ظل حبيس الأرشيف في جامعة كامبريدج أكثر من 70 عاماً، تلاعب اليهود بـ"الاضطهاد" بخبث. ويضيف المقال "هذه الحقائق يجب أن تواجه في أي تحليل بمعاداة السامية، والتي يتعيّن التفكير فيها ملياً من اليهود أنفسهم، لأنهم هم الذين دعوا إلى الاضطهاد بسلوكهم المختلف، ويتحمّلون مسؤولية جزئية في العداء الذي يعانون منه". وربما منع نفوذ اليهود وسطوتهم نشر مقال تشرشل المؤرخ في 1937، أي قبل ثلاث سنواتٍ من تسلمه رئاسة الحكومة البريطانية.
نتائج الاستطلاع المثيرة والصادمة لمستثمري "معاداة السامية"، وصنَّاع "منجم المحرقة"، أثارت قلق مركز ياد فاشيم الخاص بتخليد ذكرى المحرقة، ودعا رئيس الوكالة اليهودية، يتسحاك هرتسوغ، إلى "تعزيز دراسات المحرقة في المدارس الأوروبية"، لترسيخ الحدث في أذهان الأجيال الشابة من الأوروبيين، لاسيما أن نتائج استطلاع "سي إن إن" كشفت أن ربع الشباب الأوروبي (34 - 18سنة) لم يسمعوا بـ"المحرقة"، أو يعرفون القليل عنها.