عن الفيدرالية والتقسيم .. لماذا يحتاج لبنان في كل حقبة إلى الفصد؟

08 يونيو 2020
الصورة
النظام السياسي اللبناني الذي اتفقَ عليه معظمُ اللبنانيين في سنة 1943، وكان لبنان لا يزال تحت الانتداب الفرنسي، انتهى إلى غير رجعة في مؤتمر الطائف سنة 1989؛ أي أنه تمكّن من العيش طوال 46 سنة. غير أن النظام السياسي الجديد الذي انبثق من مؤتمر الطائف، ووُضع تحت وصاية ثلاثية سورية وسعودية وأميركية، لم يستطع أن يعيش أكثر من 15 سنة فقط، وها هو يلفظ أنفاسه رويدًا رويدًا. وكان لبنان في أثناء هاتين الحقبتين دولة اسفنجةٍ تمتص أموال العرب، ثم تلفظ مساماتها أنواعًا من العنصريات المبتذلة ضدهم. والمعروف أن قسمًا من الموارنة الجبليين هم الذين ناضلوا في سبيل صُنع لبنان، وسعوا بالمناكب والأرجل، هنا وهناك، من أجل تجسيد طموحهم التاريخي في وطنٍ مسيحيٍّ خاص بهم. لكن أولئك الموارنة لم يصنعوا لبنان وحدهم، بل مع جماعةٍ مدينيةٍ أخرى هي مسلمو بيروت. ولما لم يكن ممكنًا أن تنشأ دولة لبنان في سنة 1920 من دون إرادة الاستعمار الفرنسي ووصايته، فإن النظام السياسي الذي نشأ غداة "الاستقلال" في سنة 1943 ما كان من الممكن أن يتبلور لولا إرادة الاستعمار الإنكليزي (الجنرال سبيرز) الذي أرغم الانتداب الفرنسي المتهالك على الخروج من لبنان في سنة 1946، والتخلي عن أنصاره (إميل إدة والمطران إغناطيوس مبارك) لمصلحة أنصار الإنكليز (بشارة الخوري ورياض الصلح).
بعد مؤتمر الطائف في سنة 1989 لم تتطوّر وصاية سورية منفردة على لبنان؛ هذا كلام لا
 علاقة له بالحقائق والوقائع والسياسة التاريخية، بل تطورت وصاية ثلاثية. وكانت الوصاية السعودية متجسّدة في رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، فيما تمثلت السورية بقوات الردع العربية، وهي وصاية حاضرة مباشرة في الحياة اليومية اللبنانية بسلبياتها، وهي كثيرة، وإيجابياتها، وهي كثيرة أيضًا. أما الوصاية الأميركية فكانت ملموسة جدًا، وإن لم تكن منظورة تمامًا، وتديرها السفارة الأميركية في بيروت. وكلما تنافرت أطراف تلك الوصاية الثلاثية وتضاربت أذرعها اللبنانية (وكثيرًا ما كانت تتنافر وتتصارع)، كانت عملية إعادة إصلاحها تبدأ فورًا. وبهذا المعنى، ليس صحيحًا أن سورية كانت تهيمن على رفيق الحريري، فهو أحد قوائم الترابيزة اللبنانية. وبعبارةٍ أكثر تهذيبًا، كان الضلع الثالث في الوصاية على لبنان. وللعلم، فإن كلمة "ترابيزة" تعني ثلاثة قوائم Trio تحمل منضدة واحدة، فإذا اختلت واحدةٌ من هذه القوائم تنهار الترابيزة كلها.
عاريًا في العراء
بدأت مراسم دفن صيغة اتفاق الطائف فور احتلال بغداد عام 2003. آنذاك اعتقد بعض "النابهين" اليساريين أن وجود الدبابات الأميركية في بغداد يعني أنها ستصل قريبًا إلى دمشق، وراح يستعد لاستقبالها. وكانت صيغة مؤتمر الطائف قد تخطّت خطر موتها عدة مرات: في سنة 1996 غداة الحرب الإسرائيلية على لبنان (عملية عناقيد الغضب)، وانهيار عملية السلام نهائيًا في مؤتمر كامب دايفيد – 2 في سنة 2000، وتحرير الجنوب اللبناني الذي جعل حزب الله لاعبًا رئيسًا في الميدان اللبناني. لكن قليلين كانوا يعرفون القاعدة التاريخية التي تقول إن أي تغييرٍ غير محسوب في العراق، كالاحتلال الأميركي، سيخلخل بلاد الشام كلها، وسيؤدي إلى تغيراتٍ لا يمكن تحديدها أو حصرها أو حساب عقابيلها. وفيما كان كثيرون من ذوي البصيرة يُنعمون النظر في ما سيأتي، كان القادة اللبنانيون من ذوي الجيوب التي لا تمتلئ يغرفون الأموال العراقية الهاربة من بغداد، ويغسلونها في المصارف اللبنانية المنتشية. ويقدّم بنك المدينة مثالًا لذلك؛ فهذا البنك انهار وأفلس، ولم ترتفع صرخةٌ واحدةٌ تطالب بأي أموالٍ ضائعة؛ وهذا غريب بالفعل. والسبب أن مهمة هذا البنك كانت حصرًا تبييض الأموال العراقية. وقد كسب الجميع من هذه العملية (القوى السياسية وأجهزة المخابرات وأصحاب المصارف ورجال المال المتنفذون)، ولم يخسر أحد. وهكذا انتشى اللبنانيون بوفرة الدولارات في المصارف اللبنانية، ولم يكتشفوا، حتى بعد اغتيال رفيق الحريري، أن الغيوم السود بدأت تحوم في سماء لبنان. إن سقوط صدام حسين في سنة 2003، ثم اغتياله شنقًا في سنة 2006، واغتيال ياسر عرفات في سنة 2004، وقبل ذلك غياب رجل قوي من عيار حافظ الأسد في سنة 2000، كانت كلها إشارات على طريق ملغّم. ومع ذلك استمر السياسيون اللبنانيون في نهش الدولة اللبنانية ومؤسساتها واقتصادها كالضباع الجائعة.
الآن، وصل لبنان إلى العراء عاريًا بالكامل. حتى أنه ما عاد قادرًا على أن يكون اسفنجة 
مستعملة. ومن باب التذكير فحسب، حين كانت النكبة الفلسطينية تنيخ بكلكلها على كواهل العرب، مع نشوء إسرائيل تهديدا عسكريا وأمنيا واستراتيجيا ومصيريا في وجه دول بلاد الشام الضعيفة، والخارجة لتوها من تحت الاستعمار، كان المركنتليون في لبنان منهمكين في عدّ الأموال التي تدفقت عليهم من فلسطين طوال عامي 1947 و1948. وفي النصف الثاني من خمسينيات القرن المنصرم، حين كان الصراع في المشرق العربي يكاد يصل إلى ذروته (العدوان الثلاثي على مصر والوحدة السورية - المصرية وسقوط حلف بغداد)، طَفِقَ المركنتليون إياهم في عدّ الأموال التي راحت تتدفق على مصارف بيروت من دمشق وحلب منذ عام 1956 فصاعدًا، ولم يحاولوا البتة تحصين لبنان في وجه التحولات الكبرى التي كانت تعصف بالمشرق العربي، ولم يفهموا، لعلّة الغباء، ماذا يعني تأسيس دولة إسرائيل في قلب بلاد الشام، واعتقدوا أنهم أذكياء كفايةً ليتجنبوا أي مخاطر، وكانوا يتبجحون بلبنان القوي بضعفه وبصيغته الفريدة!
الثوب الممزّق
لبنان القديم، بحسب نظام عام 1943، كان صيغة ملفقة، مارونية – سُنّية، جرى ترويجها على أنها تعني تخلي المسلمين عن الوحدة السورية لقاء تخلّي المسيحيين عن البقاء تحت الانتداب الفرنسي. والحقيقة أن لبنان المعاصر تسويات متبدلة: بروتوكول عام 1861 الذي أنشأ متصرّفية جبل لبنان كان تسوية، ودولة لبنان 1920 كانت تسوية، وصيغة 1943 كانت تسوية، واتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية، ولو إلى حين، كان تسوية. والانقسام اللبناني الذي لا يمكن ترقيعه إلا عبر التسويات يعكس التمزّق التاريخي الذي لم يكفّ عن الفتق يومًا رافضًا الرتق دومًا. فالسُنّة في لبنان، امتلكوا، باستمرار، وعيًا أقواميًا عربيًا، أي ما قبل قومي، وهم، على الرغم من نزوعهم العروبي، لم يتطلعوا إلى أي مشروع وحدوي (راجع: ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص 164). وفي أي حال، لم يطل الزمن بالسُنّة حتى صار كثير منهم، بعد اتفاق الطائف، موارنةً في مجابهة الفكرة القومية العربية، وتحوّل بعضهم إلى دواعش في مواجهة 
الشيعة. أما الأرثوذكس فما برحوا يردّدون ما قاله شحادة غلمية في اجتماع وجهاء مرجعيون الذين رفضوا الانضمام إلى متصرفية جبل لبنان في عام 1861: التركي ولا بكركي. وما زال كثيرون يردّدون: لولا بكفيا والشوير لكانت الدنيا بألف خير. والمؤكّد أن التجار السُنّة، خصوصًا في بيروت، لم يكونوا مع الوحدة السورية، بل استخدموا ذلك الشعار الذي كان يستهوي أفئدة الناس في بيروت وطرابلس وصيدا طريقة لابتزاز الموارنة، والحصول على أفضل ما يمكن من المشاركة في القرار السياسي الذي كان مارونياً في الأعم الأغلب.
انتهت الصيغة الثنائية (موارنة – سُنّة) مع مؤتمر الطائف الذي أنجب الترويكا (موارنة – سُنّة – شيعة). وهذه الترويكا [إقرأ: الترابيزة] عطلت القرار السياسي بعد اغتيال رفيق الحريري في سنة 2005. ومع تفسّخ تلك الترويكا التي كانت تتغذى على الرثاثة الاجتماعية والسُقم السياسي، ظهرت مجدّدًا ثنائية موروثة مارونية – سُنّية (القوات اللبنانية – تيار المستقبل)، وثنائية مستحدثة شيعية - مارونية (التيار الوطني الحر – حزب الله). وكان من المحال أن يستمر هذا المزق طويلًا في الثوب اللبناني المهلهل الذي صار غير قادرٍ على ستر الجسد اللبناني المفضوح، والمبتلى بالنهب والانحطاط الأخلاقي والجشع والانحناء أمام كل مَن يدفع أو يحمي أو يُشغّل، حتى لو تمرّغت جباه الساسة بأسفلت الشوارع القذرة. ها هو الثوب اللبناني إذاً (أي النظام السياسي) الذي ضاق كثيراً على الجسد المترهل، يكاد يتمزّق، ولا وجود لخياطٍ ماهر يستطيع ترقيعه بين الفينة والأخرى، كما كانت تفعل سلطة "الوصاية" السورية، فيما الوصايتان السعودية والأميركية تنتظران غرق إيران في الوحل اللبناني، وترصدان الغارات الإسرائيلية على القوات الإيرانية في سورية ولا تأبهان كثيرًا للموات اللبناني. وقد استفادت إيران من "الهرقة" اللبنانية كي تتسلل، بواسطة حلفائها، إلى الميدان اللبناني؛ فإيران لاعب سيئ على العموم، لكنها تصبح لاعبًا جيدًا في أثناء الفوضى التي غمرت لبنان وسورية معًا.
الفيدرالية أو تصغير مساحة لبنان
ليس جديدًا أن يشتجر الخلاف اليوم في لبنان على الفيدرالية واللامركزية والتقسيم، وخلاف ذلك من صنوف الهذيان السياسي الذي ما إن يغيب حينًا حتى يعود في معظم الأحيان، وجديد 
ذلك الهذيان ما قاله مفتي الشيعة أحمد قبلان. وكلما اتسع الخرق على الراتق، عاد الكلام العتيق إن مشكلات لبنان لا تُحل إلا بانفصال المسيحيين عن المسلمين. وهذه الأفكار ليست جديدة على الإطلاق، فأنطوان نجم دعا علنًا في عام 1979 إلى القطيعة بين المسلمين والمسيحيين؛ قطيعة تبدأ بالكونفدرالية ثم تتدرج إلى التقسيم (راجع كتابه الذي نشره باسم أمين ناجي تحت عنوان لن نعيش ذميين، بيروت: دار آفاق شرقية، 1979). بيد أن فكرة الانفصال التي تعني، في حدّها الأدنى، الفيدرالية، أقدم من ذلك بالطبع. ففي 20/8/1975 صاغت لجنة البحوث في جامعة الروح القدس (الكسليك) تلك الفكرة، وأذاعها على الناس في 4/1/1976 الأباتي شربل قسيس الذي حوّل الأديرة إلى مستودعات للأسلحة، وإلى مراكز تدريب على السلاح. وطالب الأباتي بولس نعمان الذي خلف شربل قسيس لا بالفدرالية، بل بـِ "الكونفيدرالية على أساس الطائفة لا على أساس الإقليم الجغرافي" (أنظر: بولس نعمان، مذكرات الأباتي بولس نعمان، إعداد أنطوان سعد، بيروت: دار سائر المشارق، 2009، ص 142). وفي مؤتمر لوزان (مارس/ آذار 1984) حيث لم تتمكن الشعوب اللبنانية من العثور على مكان آمن للاجتماع في لبنان، فاجتمعت في سويسرا، تقدّمت "الجبهة اللبنانية" التي فجّر أقطابها الحرب الأهلية في سنة 1975 بورقة وقّعها كميل شمعون وبيار الجميّل بعنوان "جمهورية لبنان الفيدرالية". وبعد ست سنوات أذاعت "القوات اللبنانية" اليمينية مشروعًا يدعو إلى دولة اتحادية في لبنان (أنظر: صحيفة السفير، 6/1/1990). وفي 15/6/1994 نشرت "السفير" مجددًا وثيقة للقوات اللبنانية إياها، تدعو إلى تأسيس جيشين في لبنان: واحد للمسلمين والآخر للمسيحيين، على أن يُقسّم لبنان إلى ست عشرة محافظة مناصفة بين الجماعتين.
المشهور أن الرئيس اللبناني الموالي للفرنسيين، إميل إدّة، ومعه البطريرك الماروني أنطوان عريضة والمطران أغناطيوس مبارك، كانوا أبرز الداعين إلى تقليص مساحة لبنان، فقد رفع إميل إدّة مذكرة إلى نائب وزير خارجية فرنسا في عام 1932 يطلب فيها فصل المناطق التي ضُمّت إلى لبنان في سنة 1920 (راجع: بدر الحاج، الجذور التاريخية للمشروع الصهيوني في لبنان، بيروت: دار مصباح الفكر، 1982، ص 64)، ثم راح يدعو إلى إعادة طرابلس وعكار إلى سورية لسبب وحيد، أن أغليبة سكان المنطقتين هم من المسلمين والأرثوذكس (أنظر: صقر أبو فخر، الوكالة اليهودية وعلاقاتها في لبنان، صحيفة العربي الجديد، 1/8/2018). وفي 22/9/1936 التقى إميل إدّة ممثل الوكالة اليهودية إلياهو أبشتاين في بيروت، وأعرب له عن استعداده لتوطين مئة ألف يهودي بين صيدا وصور (المرجع السابق نفسه). أما الصحافي اللبناني، الياس حرفوش، المقرّب من البطريرك أنطوان بطرس عريضة، فقد تجرأ على حثّ إلياهو أبشتاين على إقناع الوكالة اليهودية بأن من الضروري أن تضم إسرائيل منطقتي صيدا وصور لضمان الهيمنة المسيحية على لبنان (راجع: رؤوفين إرليخ، المتاهة اللبنانية، تعريب محمد بدير، د.ن.، 2017، ص 125).
إبّان الحرب الأهلية اللبنانية، قاد الدعوة إلى لبنان الصغير بدلًا من لبنان الكبير المؤرخان فؤاد أفرام البستاني وجواد بولس، وهما عضوان في "الجبهة اللبنانية" المتحالفة مع إسرائيل. وراح السياسي إدوارد حنين بدوره يدعو إلى العودة إلى حدود سنجق جبل لبنان، كما رسمتها الدول 
الست الكبرى في سنة 1861 بعد المجازر الطائفية الشنيعة التي اندلعت في سنة 1860، أي إلى حدود ما سماه الفرنسيون "لبنان الكبير"، لكن من دون طرابلس وعكّار والهرمل وبعلبك وراشيا وحاصبيا ومرجعيون وصيدا وصور، وهي المناطق التي نُزعت من الشام لتُلصق بجبل لبنان. ومع أنني لا أعرف بلدًا في العالم يتضمن اسمه كلمة الكبير أو كلمة العظيم غير لبنان في زمن الاستعمار الفرنسي، وبريطانيا في الزمان الغابر، وليبيا في عصر الجماهيرية، إلا أن اجتماع "الرابطة المارونية" في 22/12/1976 شهد مباراة زجلية نادرة كان قيدومها فؤاد أفرام البستاني (أصل عائلته المشهورة من مدينة جبلة السورية) الذي تحدث فيها، وناصره في هذيانه جواد بولس، عن أن "تصغير مساحة لبنان [هو] تصغير لمشاكله". وفي خلوة دير سيدة البير (21-23/12/1977) تكلم إدوارد حنين قائلاً: "كلما كثر تراب لبنان [أي مساحته] كثرت مشاكله"، ودعا إلى العودة إلى حدود المتصرّفية مع الإبقاء على بيروت ضمن الأراضي اللبنانية" (الأباتي بولس نعمان، مرجع سابق، ص 140و 149). واعتقدَ كميل شمعون أنه ذكي إلى حد مكّنه من إسداء النصح إلى مناحيم بيغن، فقال له: "فَرَضَ علينا الفرنسيون لبنان الكبير، وضمّوا إلينا الأراضي المأهولة بالمسلمين. لقد كان ذلك سبب جميع العلل والشرور. لا تحتفظوا بأراضٍ مأهولة بمسلمين. تجنبوا هذا الوضع وإلا ستبتلون بالمشاكل عينها" (ألان مينارغ، أسرار حرب لبنان، بيروت: المكتبة الدولية، 2004، ص127).
فصد الدم
استخدم هذه العبارة الكاتب السوري الراحل سعدالله ونوس عنوانا لإحدى مسرحياته التي صدرت في سنة 1978. ويتضمن استعمال هذه العبارة، هنا بالتحديد، رغائب كابوسية. وكل ما أرغب فيه أن تخيب جميع الرؤى الكابوسية في لبنان، خصوصًا تطلعات بعضهم إلى الفيدرالية أو التقسيم. والفيدرالية التي تستيقظ اليوم في بعض الأوساط السياسية اللبنانية إنما تعكس النزعة الانعزالية التي تبلورت لدى فلاحي الجبل اللبناني، الموارنة والدروز، والتي كان عمادها الخوف من المحيط العربي. وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت تتطور نزعة معاكسة لدى تجار المدن الساحلية، السُنّة والأرثوذكس، تشدّد على الانفتاح على العرب، خصوصًا سورية، التي هي بوابة لبنان الوحيدة على العالم العربي. وكان من شأن هذا الجدل الاجتماعي التاريخي الاقتصادي أن طوّر بعض الموارنة "أيديولوجيا الجبل"، أي الانعزال عن العرب والانفتاح
 على الغرب، واعتبروا أنفسهم قوميةً قديمة لها الحق في السعي إلى الاستقلال. ولكن إعلان دولة "لبنان الكبير" حطم موقتًا هذه الأيديولوجية، وأرغم أنصارها على تبنّي أيديولوجية المدينة التجارية، أي بيروت بالتحديد التي ضُمت إلى جبل لبنان، حيث يعيش الجميع جنبًا إلى جنب ويعملون في سبيل مصالحهم. لكن مكر التاريخ غيّر الوقائع؛ فالموارنة الذين كانوا الأكثرية في الجبل اللبناني صاروا أقليةً في دولة لبنان. ولعل فيروز والرحابنة هم أفضل تعبير عن أيديولوجيا المدينة والجبل معًا، فهم جعلوا لكل لبناني ضيعةً متخيلة، حين لم يكن لأهل بيروت مثلًا أي ضيعة، بل كانوا يصطافون لدى الموارنة والدروز.
لا ريب لدي اليوم، في معمعان هذا التفسخ الشامل الذي يغمر لبنان واللبنانيين، أننا ربما أصبحنا على أبواب حرب أهلية جديدة، بل متجدّدة في سياق صعود ديناميات التفكك على أسس طائفية. ومَن يستغرب كلامي هذا عليه الرجوع إلى سنة 1974. فهل توقع أحد آنذاك اندلاع الحرب الأهلية في سنة 1975، والتي لم تتوقف إلا بعد خمس عشرة سنة؟ وهل كان ثمّة مَن توقع الحرب الأهلية الدائرة الآن في سورية في سنة 2010 مثلاً؟ إن ما نتوقعه نادرًا ما يحدث، وما نستبعده غالبًا ما يحدث (دزرائيلي). ويبدو أن لبنان محكومٌ عليه بفصد الدم بين الفترة والفترة. وفصد الدم في الحال اللبنانية لا ينشّط الدورة الدموية ويُنقي الشرايين بحسب خزعبلات الحجّامين وقذّافي الدم، بل يستنزف ما بقي من التجربة اللبنانية التي عاشت بروح التغلب، وعلى الرغم من التاريخ، مائة سنة، وانتهت إلى الفشل على أيدي الحمقى من المدافعين عنها. ولم يبقَ لنا إلا أن نردد قول الشاعر: لكل داءٍ دواءٌ يستطّبُ به/ إلا الحماقةُ أعيتْ مَن يداويها.