عن التيار العروبي في قطر.. هل الأيديولوجيا ترف؟

23 أكتوبر 2019
الصورة

مشاركون في ندوة مركز ابن خلدون بجامعة قطر(28/9/2019/تويتر)

+ الخط -
دعيت من مركز ابن خلدون في جامعة قطر يوم 28 سبتمبر/ أيلول الماضي، لتقديم مداخلة عن التيار العروبي في الخليج بين "ترف الأيديولوجيا وحاجة الواقع". تردّدت في المشاركة حالما قرأت العنوان، ذلك أنه يُحمّل هذه التيارات، ومن يشارك باسمها، حمولاتٍ غير ملزمة، ويفترض أنها خارجةٌ عن الظرف السياسي، ولا تناقش أو تستجيب لما هو "واقع". ولكن لتوضيح ما يجب، ذهبت للمشاركة بمداخلةٍ تناقش، قبل كل شيء، مفهوم الأيديولوجيا، في محاولة للإجابة عن سؤال: هل الأيديولوجيا ترف؟ بغية التأسيس لأرضية تقوم عليها مداخلتي بابتعادٍ عن الحمولة السلبية للمعنى التقليدي لهذا المصطلح. كما تحاول هذه المداخلة الابتعاد عن تكرار ما كتبه وقاله سابقا رموز التيار العروبي، وما كتبه باحثون وباحثات في هذه المسألة. وعليه، سحبت النقاش، وحاولت أن أقوم بتركيزه على السياق القطري، واتخاذ الدكتور علي خليفة الكواري نموذجًا لهذه المناقشة، ما يعود إلى أن أطروحة الكواري في هذه المسألة مؤسسة ومهمة، ليس فقط في السياق القطري، وإنما في السياق الخليجي أيضا. والنقاش الدائر بشأن هذا التيار في قطر وخارجها محدود.
ما يبدو في طريقة صياغة عنوان الندوة "التيارات الفكرية في الخليج.. بين ترف الأيديولوجيا وحاجة الواقع" أن مفهوم الأيديولوجيا يحمل معنىً تقليديًا، وهو الذي يشير إلى دلالة قيمية خالية من القدرة التفسيرية. وعليه، ما إن افترضنا أن "الأيديولوجيا" هي منظومة أو مجموعة من الأفكار التي تقوم من أجل تزييف الواقع وإيجاد وعي مضلّل عنه، يصبح من الصعب محاكمة التيار العروبي على هذا الأساس، وهي فكرةٌ يتم ذكرها هنا من أجل تجاوزها، فمنذ تأسيس الدول في هذه المنطقة العربية، ودساتيرها تذكر أنها دولٌ عربية ودينها الإسلام، وتتخذ من العربية لغة لها، واللغة معطىً أساس في الهوية وماهيتها، وتؤثر وتتأثر بالثقافة، فيصبح لا معنى للسؤال بشأن مدى حاجة الواقع إلى هذا المشروع الذي يدفع باتجاهه التيار العروبي، لأنه تم تجاوزه قبل استقلال هذه الدول وتأسيسها؛ كما أن المشروع قائم، وموجود، ومستمر، ما يجعل الحاجة إليه مستمرة كذلك؛ لطبيعة تطور المشاريع من بناها الفكرية.
وإذا كان يُقصد أن تسييس الهوية الثقافية محاولة أيديولوجية بالمعنى التقليدي للمفهوم، فالقول هنا إن تسييس الهوية، في هذا السياق، يسعى إلى بناء الأمة على أساس وحدة ثقافية، ولا يسعى هذا 
التسييس إلى الإجابة عن كل الأسئلة الوجودية، أو إلغاء الانتماءات الأخرى، أو حتى التناقض مع الدين، وإنما التعامل مع الكيان السياسي الحديث، المعروف بالدولة، على أساسٍ يخفّف من حدة الانقسامات في داخلها وفي المنطقة، ويدفع نحو الابتعاد عن الانزلاق في الهويات الفرعية وإلى آخره من هذه المسائل. وعليه، يتقاطع هذا التيار، ولا يتناقض، مع الهوية الإسلامية، وبعض المشاريع الإسلامية الديمقراطية، ففي جوهر هذا المشروع العروبي الحديث، المتجاوز الأطروحة الكلاسيكية القومية، نجد المسألة الديمقراطية، وضرورة الدفع باتجاهها، لأنه لا يمكن بناء مشروع عروبي من دون تمثيل لإرادة شعوب المنطقة.
أما في ما يتعلق بأنها "ترف"، فأمر مستغرب طرح هذا السؤال، في سياق انعدام وجود حرية للممارسة السياسية. بالأساس طرحت مسألة "حالة الترف" التي يزعم أن التيارات السياسية في الخليج تعيشها مؤسسات الدولة الحديثة، مع لحظة تشكل الدولة الريعية ودولة الرفاه في الخليج، فمن المؤسف أن يعاد طرح هذا السؤال اليوم، في سياقٍ أكاديمي.
سأتعامل مع مفهوم الأيديولوجيا بطريقة متجاوزة التعريف الكلاسيكي، فهذا المفهوم مرّ في تطوراتٍ ونقاشاتٍ عديدة، إلى الحد الذي غدا فيه من الصعب التعامل معه بتعريفه التقليدي البسيط، والذي لا يقدّم لنا إلا دلالة قيمية، ويقف عند هذا الحد. لذا، المقصود بالأيديولوجيا، في هذه المطالعة، بصورة مبسطة بغية التفسير، التصوّر الذي يكون أساس الحركة في المجال السياسي. وهو ذلك الذي أثبت أنه لا يأتي إلا استجابة لشرط سياسي، فكل التيارات التي عرضت (في مركز ابن خلدون: النسوية، العلمانية والعروبية)، حتى وإن تم اعتبارها منتجا تم تصديره، وليست منتجًا أصيلًا، هي، في النهاية، تعبر عن وجود حاجةٍ سياسيةٍ ما.
تأسيسًا على ذلك، إذا ما تم اعتبار الأيديولوجيا منظومةً من الأفكار الصادرة عن الطبقات 
المهيمنة، لشرعنة الواقع وعلاقات القوى، والتي تستمد هيمنتها من انتشارها الواسع في الأوساط الخاضعة لهذه الهيمنة، فعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار مجموع الأفكار والتمثلات المضادة للطبقات الخاضعة، أيديولوجيا، بهذا المفهوم، في حالة انتشارها. إلا أن كلا من الأيديولوجيا الأولى والثانية تختلفان في النوع والهدف، فهل يمكن اعتبار الأيديولوجيا المهيمنة والأيديولوجيا المضادة نوعا واحدا ومتطابقا؟ وتختتم هذه النقطة هنا بسؤال ومداخلة طرحهما الأنثروبولوجي الفرنسي، موريس غودلييه: "هل ينبغي أن نَخلُص (…) إلى أنّ الأفكار الخاصّة بالطبقات الخاضعة، والتي هي تشكّل الأفكار المضادّة، تشكّل أيديولوجيا مضادّة، وبالتالي أيديولوجيا أخرى؟ أم ينبغي القول إنّها لم تعد أيديولوجيّة لأنّها لا تُشرعن وجود النظام القائم أو تشاركه كذْبته؟ ولكن هل تكون كلُّ فكرةٍ مُشرعِنةٍ خادعةً؟ وتكون خادعةً وفقاً لمن؟ ليست وفقاً لأولئك، الحكّام والمحكومين، الذين يتشاركونها. إذاً هي بالنسبة إلى الآخرين الذين لا يقبلون هذا النظام الاجتماعيّ ويريدون تغييره، أم بالنسبة إلينا كمراقبين خارجيّين (…). وبذا نجد أنّ من المستحيل اعتبار فكرةٍ ما على أنّها فكرة أيديولوجيّة تبعاً لمعيار وحيد (معيار زيف أو صحّة، شرعنة أو لاشرعنة)، أو تبعاً لمجموع أو تبعاً لتلاقي الأمرين بما أنّهما لا يتوافقان. في كلّ مرّة، تسقط المحاجّة أرضاً. وفي الواقع، كي نتملّص من معضلة التعريفات الشكليّة أو الوظيفيّة للأيديولوجيا، علينا تطوير نظريّة عن مكوّنات سلطة الهيمنة والاضطهاد، نظريّة عن العلاقة بين العنف والتقبّل".
بناءً على المداخلة أعلاه، تصبح الأيديولوجيا في موقعٍ يمكننا من أن نتعامل معها جزءا أساسا من البنى المجتمعية، لا جزءا ترفيا، ولا حالة طارئة عليه، فلا يمكن متابعة الأفكار بصورة تجريدية، واعتبارها مجرد انعكاس منفعل في الفكر للعلاقات الاجتماعية التي تولد خارجه، أو حتى باستقلالٍ عنه، أو سابقة عليه. هنا وعلى حد تعبير غودلييه: "سنواجه مشكلة جوهريّة، نقطة انعطاف استراتيجيّة لكلٍّ من تأويل الوقائع الاجتماعيّة وتأويل التاريخ ولممارستنا معاً". ببساطة، تتضمن كلّ قوّة إنتاج مادية بالضرورة، عنصراً مثاليّاً معقّداً، لا يعتبر تمثيلاً منفعلاً و/أو استدلاليّاً في فكر قوّة الإنتاج هذه، وإنما يكون، منذ لحظة ولادته، جزءاً أساسيًا وفاعلاً فيها، وشرطاً داخليّاً لوجودها.
ما هو التيار العروبي؟
المقصود بالتيار، في هذه المداخلة؛ مجموع الأشخاص الذين يتشاركون منظومةً فكريةً وقيميةً، ويدفعون باتجاه أهداف محدّدة، لأنه يصعب الحديث اليوم عن وجود تيار عروبي بالمعنى المدني أو الحزبي في السياق الخليجي، باستثناء الكويت. وذلك لغياب أي إمكانية لاستقلال المجموعات الأهلية أو المدنية عن الدولة، أو حتى مقاومة هيمنتها في شل حركة المجتمع المدني. وعليه، تصبح مهمة الباحث أو الباحثة في حاضر التيارات الخليجية شبه مستحيلة، وذلك لحساسية المسألة، وتجريم التجمع السياسي في أغلب دول الخليج. ولذلك، نتعامل مع هذا التيار من خلال تراكمه المعرفي لما كتبه من ينتسبون له. وهنا نفرّق ما بين التعبير الرسمي أو الحكومي عن القومية العربية/ لأنها مسألة تم تجاوزها، والتيار العروبي الذي يمثله مجموعة من الناشطين/ات والمثقفين/ات.
وبكل اختصار، أن تكون عروبيًا يعني أن يكون لديك انتماء سياسي للأمة العربية التي تتشارك اللغة والثقافة والتاريخ والحضارة والأرض. وهذه الأمة تمتلك حقها في تقرير المصير وتحقيق السيادة. ونقول انتماءً سياسيًا حتى نفرّق بين أن تكون عربيًا وأن تكون عروبيًا، فالأخير يعني أنك تنتمي للجماعة السياسية العربية التي تعبر عن مجموع الأشخاص الذين ينتمون لهذه الجماعة وتجمعهم رابطة ثقافية، لا عرقية، وهذه الثقافة ليست مصطنعة أو خيالية، فهي امتداد لتاريخ، ولغة مشتركة. أما الفرق بين العروبي والقومي فهو متعلقٌ بكل من المشروع الفكري والسياسي، فالعروبي يؤمن أن الوحدة لا تمر إلا من خلال تحقيق الديمقراطية في الأقطار العربية من أجل الوصول إلى مرحلةٍ يعبر فيها عن مصالح الأمة، لا عن مصالح مجموعة من الأفراد، وأن هذا المشروع ليس رومانسيًا أو خالدًا، وإنما يقدم حلولًا للفترة التي كانت وما زالت تعيشها المنطقة. ولا تعني الوحدة بالضرورة إلغاء الدول القائمة، وإنما تعني قيام نوعٍ من الشبكية السياسية ما بين هذه الدول، وفي تصوّرها تدفع نحو اتحاد، ذي طبيعة خاصة، ينبع من الواقع العالمي الموجود.
وعند الحديث عن السياق القطري والخليجي، لا يمكن تجاوز أطروحات علي خليفة الكواري في ما يتعلق بالمسألة العروبية، وهو الذي قدم من خلالها الكثير لمجتمعه ولأمته، وكواحد من رموز هذا التيار، قدم حلولًا، ونبه إلى وجود إشكالات لم يتناولها أي تيار آخر في هذا السياق: بدءًا بموضوع خطر الدولة السلطوية الحديثة، وآليات مقاومتها، وفتح المجال أمام حرية أكبر للنشاط المجتمعي، وبالتالي النشاط الثقافي والديني وغيره. كما قدّم الكواري مداخلات مهمة تتعلق بأزمة الخلل السكاني والخلل الاقتصادي، والأمني، وحتى الحدودي، وصولًا إلى إشكالات السيادة في السياق العربي، وخصوصًا الخليجي والقطري. وعليه، إن كنا نريد محاكمة التيار العروبي في السياق القطري، لا بد من أن نقف على أطروحات الكواري، ونرى ما قدّمه، لنتفاعل مع هذا التيار ككل، فهو مؤسس مركزي لأطروحات من أتى بعده ممن ينتمون لهذا التيار، خصوصًا في السياق القطري والخليجي.
في لقاء منتدى التنمية الخليجي، في يناير/ كانون الثاني 1995، يقدم علي خليفة الكواري 
تصورًا كاملًا عن المشروع الذي يجب أن يقوم بناءً عليه الاتحاد ما بين دول الخليج، خطوة أولية باتجاه اتحاد عربي كامل، فيقول إن من البديهي أن الدول المستقلة لا تتنازل عن سيادتها لصالح اتحاد فيدرالي بينها، إلا أن هذا ممكن إذا ما اطمأنت هذه الأقطار المكونة للاتحاد على حقوقها وتأمين مصالحها المشروعة مستقبلًا. ويشدّد على أن هذا الاتحاد لا يمكن أن يقوم إلا بمراعاة لمصالح المجتمعات والأفراد، ويضع حقوقهم موضع التطبيق، لأن هذا الاتحاد لا بد من أن يرتكز على أساس دستور يلتزم بالمساواة، ويأخذ باعتبارات العدالة، ويتعمّد روح الشورى، ويسعى إلى تكريس مبادئ الدستور الديمقراطي، وهذه المبادئ في وجهة نظر الكواري: أن لا سيادة لفرد أو قلة على الشعب. سيطرة أحكام القانون وشمولية نطاق القضاء. عدم الجمع بين السلطات. ضمان الحقوق والحريات العامة. تداول السلطة التنفيذية على الأقل.
وبالتالي، نرى أن اتجاهات التيار العروبي في قطر كانت موجهة إلى الداخل، لمحاولة إصلاحية دستورية، لتحقيق المبادئ الواردة أعلاه، ودافعةً باتجاه تحقيق إصلاحات اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وتدفع باتجاه تطبيق دستور ديمقراطي. ومن هنا، يمكن القول إن هذه النظرة إلى المبنى الاجتماعي، ومحاولة إصلاحه، تنبع من الشرط السياسي للواقع، وتحاول فتح باب النقاش مع ما هو قائم، وهو الأمر الذي لم تقم به التيارات الأخرى في السياق القطري. وهنا لا أنفي أن هنالك طروحات مهمة في التيارات الأخرى، لكنها لا تمس بما يكفي مجموع القضايا المركزية اليوم.
ختامًا، أسأل: ماذا قدّمت لنا التيارات في السياق القطري بخصوص سؤال وضعنا السياسي اليوم؟ ماذا قدمت لنا في ما يتعلق بتصوّرها عن المشروع السياسي الذي يجب أن يكون؟ وكيف تفاعلت مع مسائل تتعلق بالمواطنة، وعلاقة الفرد بالدولة، وحتى علاقة الدولة بمحيطها؟ وعليه، كيف يكون التيار العروبي ومشروعه ترفيًا، أو حتى إيديولوجيًا بالمعنى التقليدي للمفهوم؟

دلالات

8B4711C2-27BE-4D7C-A3B2-907A1883417E
مريم الهاجري