عندما يطبل الشيوخ للحكام

عندما يطبل الشيوخ للحكام

11 مايو 2019
+ الخط -
يقول أحدهم "احذر شيوخ السلاطين ألف مرة واحذر الحاكم الظالم مرة واحدة".
أهلًا بك، لقد دخلنا عصر التطبيل، يا عزيزي. كنا نسمع أن الشيوخ والعلماء يقتلهم الحكام لأنهم قالوا كلمة حق أمام ظلمهم، أما اليوم فلم نعد نرى سوى شيوخ وعلماء يطبلون للحكام ويبيعون الأحكام والفتاوى على حساب دينهم، ويفتون بكل ما يراه الحاكم يصب في مصلحته الخاصة للبقاء في الحكم.
دخلت في نقاش في هذا الموضوع مع صديقٍ لي، فأخبرني أن من يعمل هكذا من الشيوخ ما هو إلا حفاظًا على حياتهم من بطش الحاكم. أجبته قائلًا "ما دام هذا الشيخ يعرف أنه لن يستطيع الوقوف أمام الباطل والظلم فلا ينصب نفسه شيخًا من البداية؛ فهو يعلم أن غلطة العالم تصيب الآلاف. ثانيًا، إنّ العالم الحقيقي هو من يدافع عن الله ورسوله لا أن يدافع عن الحاكم أو عن نفسه، فهو ليس موظفًا لدى الحاكم؛ فمن يدافع عن الحاكم من أجل الوظيفة لا يعتبر عالمًا بل مرتشيًا ومرتزقًا، وأرى أن تضحية العالم الحقيقي أمام الحاكم الظالم هي الحل الوحيد له إن لم يستطع النجاة؛ لأن الدين ومعتقدات الأمة ليسا لعبة حتى يقول كل ما يُتلى عليه من الحاكم".
شيوخ السلاطين موجودون في كل زمان ومكان، وهذا ما لا نختلف فيه، لأن وجودهم أمر طبيعي للغاية؛ فالحكام يستخدمونهم كغطاء شرعي لكل ما يقومون به من خيانات للأمة؛ فالحاكم لن يجرؤ على الخيانة لو وجد من يكشف خيانته وزيفه أو يسقط شرعيته لدى شعبه، لذا عندما نحاسب الحاكم على جريمةٍ ما لا بد من محاسبة من أجاز له عمل الجريمة أيضًا.
لا أنكر أن هناك علماء قدامى ومعاصرين ضحّوا بأرواحهم وحرياتهم في سبيل الوقوف ضد الظلم وخيانة الأمة، وهؤلاء هم من تُرفع لهم القبعات احترامًا، ولنذكر منهم سعيد بن جبير الذي وقف أمام الحجاج حتى قتله ضمن زمرة من قتلهم من الصحابة والتابعين، وكذلك أئمة المذاهب الأربعة حيث لاقى كل واحد منهم التعذيب والتنكيل على أيدي أصحاب السلطة، فقد سجن أبو حنيفة لرفضه تولي القضاء أيام بني العباس، وامتحن الإمام أحمد ابن حنبل في قضية خلق القرآن التي قال بها المعتزلة وحتى إن 70 عالمًا أفتوا بقتله، وتعرض الإمام الشافعي لغضب أهل السلطة بدعوى حبه لأهل البيت، وكذلك الإمام مالك لم يكن وضعه أفضل من سواه، وإلى جانبهم كل العلماء المعاصرين الذين هم في سجون الاستبداد والظلم، والذين رفضوا أن يكونوا أداة يستخدمها الحكام لتهدئة الشعوب وتسييرها.
عندما يقوم الشيوخ بتسييس الدين وتسخيره لصالح الحاكم يعتبر أكثر خطرًا على الأمة والشعوب من ظلم الحكام أنفسهم؛ لأن الأمة تثق بمن يتحدث إليهم باسم الله ورسوله. وأن يطبل الشيوخ للحكام معناه انهيار الأمة وتناحرها، لذا من يفتي بالقتل لا أعتبره شيخًا، ولكنني شخصيًا أعتبره مجرماً مثله مثل من قتل بريئًا أو سجن مظلومًا، وأرى أن محاكمته لا بد أن تكون كمحاكمة مرتكب الجريمة لا ينقص عنه شيء؛ لأن القاتل إن قتل فربما قتل فردًا واحدًا، أما الشيخ عندما يفتي بالقتل أو السجن فضحيته تكون بالآلاف.
وجود علماء السلاطين قديم قدم ظهور الحكام الظلمة، فلا ننسى أن من يقولون على أنفسهم شيوخًا أفتوا يومًا بشرعنة الاستعانة بالتحالف الصليبي لغزو العراق، وكذلك أفتي قبلهم بقتل المسلمين واستحلوا دماءهم عندما دخل الفاطميون المغرب، وأفتى شيوخ الحكام بقتل كل من خرج في ثورات الربيع العربي، كذلك أفتى آخرون في مصر باستحلال الدماء في سبيل مساندة الانقلاب وغيرهم أفتوا في عدة بلدان باستباحة دماء الأبرياء؛ فمات أهل غزة تحت وطأة الحصار، ومات العراقيون والسوريون بأيادٍ أميركية وروسية، كذلك في ليبيا على يد حفتر واليمن على يد الحوثيين وغير الحوثيين.. وعلى الرغم من هذا كله، ما زلنا نجد من يسمون أنفسهم شيوخ الدين يفتون بالقتل والتنكيل والسجن للشعوب، ولن يتوقفوا بل، وبكل بجاحة، سنجدهم يستمرون بإصدار الفتوى والأحكام لتوجيه الشعوب نحو كل ما يصب في مرمى الحاكم، ولو كان ذلك على حساب دماء المسلمين ومصالحهم.
للأسف الشديد، لم يعد حكام اليوم مجرّد حكام ظلمة فحسب، بل أصبحوا عملاء للعدو ليس إلا، بينما حكام الأمس كانت دولهم منيعة وقوية، كانوا ظلمة لكنهم لم يكونوا خونة، لذا فكل ما يجري في بلداننا العربية من قتل ومصادرة الحريات ما هو إلا عمل غربي، ولكن بأيدٍ عربية، فنسبة قتل حكام المسلمين لشعوبهم تشكل أضعاف نسبة قتلى المسلمين على أيادٍ غير مسلمة، وهذا إذا دلّ، فإنما يدلّ على وجوب محاربة الحاكم الظالم قبل محاربة العدو الخارجي.
BED88569-D682-4B67-B7D5-5A69F4035AC5
عبد الرحمن الآنسي (اليمن)