السرعة والتهور

السرعة والتهور

27 ابريل 2019
+ الخط -
وأنا مسافرٌ نحو اليمن، مررت بسلطنة عمان، وصلت إلى مدينة صلالة، وهي تقع على حدود اليمن من جهة مدينة المهرة، وكان لا بد أن أركب سيارة حتى أدخل الحدود اليمنية، فذهبت نحو محطة الحافلات، وكانت الساعة الحادية عشرة مساءً.
اصطحبني رجل عُماني، يدعى سالم، إلى جانبه صديقه اليمني، ويدعى عمر. تعرفت عليهما إثر وصولي إلى عُمان في أحد المطاعم اليمنية. وصلنا أنا وسالم وعمر إلى محطة الحافلات، ورأينا أن الحافلة لن تتحرك إلا في الصباح، فرأيت تاكسي بداخله أربعة مواطنين يمنيين، بجانبهم السائق العماني؛ جميعهم ينتظرون مسافرا خامسا حتى يتحرّك التاكسي. وصلت، فسألت عما إذا كانوا سيتحرّكون، ففرحوا مجيبين "أي نعم".
شكرت صديقي عمر وسالم على كل ما قاما به من أجلي، ثم تحرّك التاكسي يجوب الطريق الصحراوية التي لا تخلو من الجمال متجهًا نحو المهرة. كان كل من في التاكسي عائدين من أرض المهجر؛ كلٌ ينتظر لقاء أهله بفارغ الصبر. كان التاكسي يتحرّك بسرعة معقولة، ولكن لم ترق للمسافرين هذه السرعة التي تعتبر بالنسبة إليهم بطيئة، فطلبوا من السائق أن يسرع بنا أكثر. فتح السائق بعض الأغاني اليمنية المشهورة التي جعلت الجميع يشعرون بالأنس والراحة، وداس على دواسة السرعة لتصبح السيارة أكثر سرعةً من قبل. الجميع مبتهجون لسماعهم الأغاني، مستمتعون بسرعة السيارة التي تجعلهم يشعرون بأنهم يطيرون في فضاءات الكوكب.
سارت بنا السيارة بهذه السرعة ساعة ونصف الساعة، بينما نحن نتبادل النكات ونستمع للأغاني، وبعض الأوقات يتكلم بعضنا عن مغامراته التي قام بها في غربته. على الرغم من أنّ سرعة السيارة كانت عالية نوعًا ما، إلا أن أحدنا طلب من السائق أن يزيد من سرعة السيارة أكثر حتى نصل إلى المهرة قبيل الفجر. أصبحت سرعة السيارة جنونية، بينما نحن نقهقه بطريقة هستيرية فرحين بالوضع.
فجأة رأينا ضوء سيارة إسعاف وسط الطريق التي نحن متجهين نحوها، فخفّف السائق من سرعة السيارة رويدًا رويدًا، والسكون مخيمٌ على الجميع. سألت أنا: "ماذا يعني هذا الضوء بوسط الطريق؟ هل من مشكلة؟".
أجابني السائق بأن الطريق التي نمر منها مليئة بالجمال، وربما اصطدم أحد المسافرين بأحد الجمال من دون علمه. وصلت السيارة إلى مكان الحادث. يا للهول! لقد كان حادثًا مروعًا. سألنا أحدهم عما حصل، فأجابنا بأن شاحنة كبيرة أتت مسرعة فاعترضها أحد الجمال التي كانت ما زالت في المرعى ولم يستطع السائق التحكم بالشاحنة لسرعتها فاصطدم بالجمل، ما أدى إلى حدوث إصاباتٍ بالغة للسائق ومرافقه.
نظرت خلف الشاحنة، فرأيت ثلاثة رجال أجسادهم مرميةٌ على الأرض، اثنان منهم قد ماتوا بينما أجسادهم تسيل منها الدماء. نظرت نحو الرجل الثالث، وكان يزأر كما يزأر الأسد، نظرت نحو جسده فكان منظرًا مروعًا.
جسدان هامدان بينما الرجل الثالث يئن ويزأر، وكأنه يريد أن يقول شيئًا ما. يقلب عينيه يمينًا ويسارًا، ولا يجد إلا رجلا يردد بصوتٍ مفجوع "قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". الرجل بصره شاخص ينظر نحونا من دون جواب، وكأنه يتوسل إلينا أن ننقذه من الموت المحتوم. ردد الرجل الواقف كلامه مرات ومرات، علّه ينطق الشهادة، قبل أن يفقد حياته، ولكن لا فائدة. جاءت سيارة الإسعاف، فلم نستطع البقاء أكثر من هول الحادث، فقررنا أن نترك المكان، ونذهب تاركين خلفنا أناسا رغبوا أن يسرع السائق، حتى يصلوا إلى أهاليهم أسرع، ولكن لم تصل إلى أهاليهم سوى أجسادهم الهامدة الملطخة بدماءٍ أهدرتها سرعتهم المتهورة.
ركبنا السيارة، فتحركت بنا نحو طريقنا المقصود، بينما ذلك الرجل الذي لم يكن راضيًا عن سرعة السيارة من قبل بدأ يتحدث "يا جماعة نتأخر ساعة ساعتين حتى نصف يوم واحنا سالمين أفضل من السرعة التي ربما تودينا في داهية". رد السائق موافقًا قول الرجل، ثم قال "يا جماعة! هذا تلفوني فيه رصيد دولي، من يحب يُطمئن أهله يقدر يأخذ التلفون ويتصل". اتصل البعض بأهاليهم، ثم سأل رجلٌ ثالث: "ما في جامع قريب من هنا؟ للأسف ما صلينا المغرب ولا العشاء".
وقفت السيارة بجانب أحد المساجد، وخرج الجميع للصلاة. صلى الجميع ثم رجعنا نحو السيارة، فبعد أن كنا نستمع للأغاني فتح السائق إحدى إذاعات الراديو لنستمع لبعض الأخبار المحلية، وبعض الأوقات تتكلم الإذاعة عن الأدب وقصص قديمة وغيره.
ما أردت إيصاله إلى الجميع من خلال قصتي هذه، أن السرعة الزائدة عند السفر لا تعني وصولك أسرع؛ فأن تصل سالمًا أفضل لك بكثير من أن لا تصل بالأصل.
BED88569-D682-4B67-B7D5-5A69F4035AC5
عبد الرحمن الآنسي (اليمن)