عندما تنشغل وسائل التواصل الاجتماعي بالأوبئة

17 مارس 2020
الصورة
قبل الطفرة الهائلة في وسائل التواصل الاجتماعي، كان الناس يحصّلون نصائح وقائية، وتحذيراتٍ ضد الأوبئة والأمراض السارية أو المزمنة، من القنوات التلفزيونية الرسمية التي كانت تنطق بصوت الحكومات، أو الفضائيات العالمية التي تتبع لأجندات معينة. وعند ذكر "أجندات" فإننا غالبًا ما نقصد سياسية، إلا أنها، في الوقت نفسه، تحمل مضامين اقتصادية واجتماعية، فجميع القنوات التلفزيونية التي عرضت أخبار مرض "سارس" في 2003، والإيدز في 2004 وإنفلونزا الخنازير في 2009 وطرق التوعية منها، كانت محلية في طرحها خطوات الوقاية وطرق العلاج، إن وجدت، بالإضافة إلى أن محمولا سياسيا وتجييشا عنصريا للأخبار كانا موجودين إلى حد كبير. ولم تكن أخبار الأوبئة متداولةً بشكل علني ولحظي، من حيث عدد الإصابات والوفيات، ولا حتى من حيث مراقبة الأعراض، وتقديم تقارير للجمهور بشأن ما يطرأ من مستجدات. ثم مع الاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل لجمهور المتابعين أن يحصلوا على آخر الأخبار والمستجدّات في العالم، إلا أنّ الانتقال السريع وغير المنظم إلى اعتماد الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي في جميع النشاطات الحياتية أحدث نوعاً من الارتباك ضرب الجانب التوعوي والإنساني في حالات الأمراض والأوبئة أو الكوارث الطبيعية، فعلى الرغم من أن وسائل
التواصل الاجتماعي، بما فيها من مجموعات وصفحات تفاعلية، تعدّ مصادر قيمة للتوعية، إلا أن انحسار عامل المسؤولية المجتمعية لصالح المسؤولية الفردية جعل من هذه المنصّات فضاءً لا يخلو من العبث ونشر الشائعات والتكهنات، بأطيافها الدينية والطبية السياسية والاقتصادية. 
تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي ركيزة أساسية في منظومة "الذكاء الوبائي" التي تربط جميع أدوات مراقبة انتشار الأمراض، وأية معلومات تصدر عنها حول العالم، وجمع بيانات، رسمية وغير رسمية (منظمات محلية)، من أجل تحليلها وتقديم معلومات نهائية. تختلف وسائل التواصل الاجتماعي عن باقي أجزاء هذه المنظومة من ناحية أن نشاطها يتكثف حال وجود موجة وبائية أو جائحة، الأمر الذي يجعل من مسألة تقييد المحتوى مسألةً صعبةً، في ظل انتشار عدد هائل من المنشورات والصور والفيديوهات، ومقاطع صوتية مسجلة عن أعراض الوباء وأسبابه، بالإضافة إلى تحليلاتٍ تشمل جوانب المرض كلها. وبالنتيجة، تشكل وسائل التواصل الاجتماعي من هذه المنطلق أداة نشر وتوعية لا شك بأهميتها، فقد كان "تويتر" منصة إعلامية إخبارية في أثناء انتشار مرض إيبولا عام 2014، بل المنصة الأولى لنشر جميع ما يتعلق بإلمرض من بيانات ومعلومات وإحصائيات، ودعمت هذه المنصة وكالاتِ الصحة العالمية، لتكوّن محطة تواصلية رديفة لقنوات البث التقليدية في تغطيتها أخبار "إيبولا".
وعلى الرغم من أن التواصل، في غضون الأزمات والأوبئة، عملية مستمرة مرتبطة بتبادل 
المعلومات والآراء بشأنها، ونقلها عبر منصات إلكترونية يديرها عناصر يعملون على جمع البيانات وترتيبها وتنسيقها وقولبتها ضمن محتوى معين، إلا أن أنماط التواصل الاجتماعي مختلفة من حيث المحتوى، تبعاً لاختلاف الثقافات بطبيعة الحال. وبالتالي، فإن هذا المحتوى غالباً ما يكون عرضةً لمعلومات مزيفة، أو مفبركة، من شأنها إما المبالغة بالحالة أو التقليل من تبعاتها والاستهزاء بها. وقد كان استخدام الصينيين وسائل التواصل الاجتماعي في أثناء انتشار إنفلونزا الخنازير ضعيفاً مقارنة بأي دولة أخرى، حيث يصنّف مؤشر بيت الحرية (Freedom House) الصين في المرتبة العاشرة عالمياً من حيث انعدام الحرية الصحافية، الأمر الذي سمح لشائعات من خارج الصين أن تنتشر عن أعداد المصابين بالفيروس وأعداد الوفيات، ما أحدث حالةً من الفوضى والشك بشأن مصير الصينيين وقدرة الدولة على احتواء المرض. يمكن اعتبار هذه الشائعات والمعلومات المفبركة جزءا من عملية توجيه ضربة ناعمة من دولة إلى دولة أخرى، بهدف ترويج صورة سيئة، تهدف إلى تقويض منظومتها الاقتصادية أو سمعتها السياسية، خصوصا أننا نتحدث عن أزمات صحية من شأنها أن تعطّل الحركة في البلد شهورا، إذا لم يتم التعامل معها إعلامياً بحذر شديد.
يرى مانويل كاستل وسائل التواصل الاجتماعي واحدةً من أدوات الانتصار السياسي 
والاقتصادي في العصر الحديث، إذ إننا أمام عصر تغلب عليه سمات الحرب الذكية التي تسعى جميع الدول وراء النصر فيها. وكأدوات قوة، تبرز أهمية هذه المنصّات على اعتبار أن حمولة الشائعات التي تسري فيها عالية، وبموازاة المعلومات الدقيقة أو الحقيقية، ففي وقتٍ تعمل فيه مجموعات الباحثين والأطباء في العالم، ومن ورائهم منظمات وهيئات صحية عالمية، على إيجاد لقاح للتخلص من فيروس كورونا المستجد (COVID - 19)، تعمل المنصات الإلكترونية الرسمية التابعة لهذه المنظمات، والجهات الطبية المحلية في أي من البلدان التي حصلت فيها إصابات ووفيات، على نشر آخر الأخبار من أرقام وإحصائيات ومعلومات وقائية وإرشادية، ما يكسب هذه المنظمات قاعدة شعبية واجتماعية كبيرة، كونها تتمتع بمصداقية أكبر، في نشرها ما هو حديث حول المرض. إلا أنه على النقيض من عمل المنصّات التابعة لهذه الهيئات، برزت صفحات ومجموعات، أو حتى حسابات شخصية، تنشر الشائعات، المرعبة في غالبها، والهدف منها بث الرعب في نفوس المتابعين، وإثارة حالة من الفوضى وعدم الاطمئنان أو الرضى عما يتم اتخاذه من إجراءات سلامة ووقاية. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل بعض الحسابات على نشر تحليلات لا صلة لها بالعلم ولا المنطق، بل إن أكثرها ينتشر عبر اللعب على الوتر الديني أو العاطفي، ما يجعل المواطنين في العالم في حيرةٍ من أمرهم، ويخضعون لتفسيراتٍ وتحليلاتٍ من شأنها أن تسيطر على عقولهم على حساب التفكير الواقعي بما يجري من مستجدّات.
يُظهر جانب آخر من الحملة الإعلامية التي شنها العالم على فيروس كورونا، لمتتبع الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي حملات توعية صحيحة في المحتوى، لكنها لم تُصِب في طريقة الطرح. يتم في الآونة الأخيرة ترويج فكرة أن الفيروس لا يفتك إلا بكبار السن، أو الذين يعانون أمراضاً مزمنة، ما يخلّف أضراراً سلبية كبيرة على نفسيات المسنين، فيقفوا عاجزين عن فعل أي شيء، طالما أن حملات التوعية هذه تصوّرهم هدفا مستحقا للفيروس وللموت لا محالة، على حساب طمأنة الشباب أن من لديه مناعة قوية سينجو من الفيروس. ويشتت ظهور حملات من هذا النوع انتباه المجتمع، ويجعل مصلحة الفرد أعلى من مصلحة الجماعة، وبالتالي يشيع حالة من الانفصال عن واقع المسنّين وحالتهم الحرجة، في ظل حملة من التهريج والنكات التي يطلقها رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن هذه الأخبار وغيرها. تظهر حالة الاستهتار المقصود التي على مجموعات "فيسبوك" التي لا تتعدّى كونها تجارية، تشير إلى ضعف القدرة على التعامل مع هذا الفيروس، أو غيره من الأزمات، ما يجعل الملجأ الوحيد هو نشر معلومات تسخّف الفيروس وطرق الوقاية منه أو حتى مستقبلاً العلاج.

دلالات

تعليق: