عقوبات أقبح من ذنب

08 اغسطس 2020
الصورة
العقوبات لم تردع نظام الأسد وداعميه من ارتكاب المزيد من الجرائم (فرانس برس)

جادت الولايات المتحدة بقائمة ثانية على نظام الأسد، ضمن عقوبات قانون "قيصر" بعد باكورة الحزم التي طاولت رأس النظام وزوجته وشخصيات سياسية واقتصادية، في منتصف حزيران/ يونيو الفائت، ليزداد الأسد استهتاراً والسوريين خيبة.

فالحزمة الأولى، بعد كل الترويج والحملات التخويفية الأميركية، لم تأتِ بجديد. فجميع المعاقبين، شركات وأشخاصاً، سبق أن طاولتهم العقوبات الأوروبية والأميركية، من دون أن يرى السوريون أثراً لنشاطاتهم، فجلّ العقوبات تركّز على منع السفر وتجميد الأرصدة الخارجية، في الولايات المتحدة خاصة.

وظلّ الأمل قائماً، على الحزمة الثانية، لتزيد من إضعاف نظام الأسد وتوقف الدعم الروسي والتحدي الإيراني، خاصة بعد توقيع طهران مع الأسد اتفاقاً عسكرياً أمنياً شاملاً ومذكرات واتفاقات اقتصادية، تتعلق بالطاقة والمطاحن.

بيد أن الخيبة تعاظمت، أكثر من المفاجأة الأولى، بعد إدراج أسماء "أولاد" ضمن العقوبات، والتغافل عن الدول والشركات التي عادت بعلانية وتحدٍّ، لتدعم الأسد، إن في الخليج العربي أو في إيران وروسيا، وكأن واشنطن تبحث عن صدى الأسماء وتؤثر تعامل السوريين باستغفال وقضيتهم بمماطلة واستهزاء.

إذ بمنتهى البساطة والواقعية، كيف يمكن أن تؤثر العقوبات الأميركية بابن بشار الأسد "حافظ" أو ابن توفيق الأسد "كرم"، وهما دون الثامنة عشرة، ولا عمل لهما أو شركات يديرانها، ما أبطل تبرير وزارة الخزانة الأميركية، لأنهم "يواصلون العمل باسم أهلهم الخاضعين للعقوبات أو أقربائهم الآخرين، ونيابة عنهم، وتمكن رؤية هذا الاتجاه يتطور في عائلة الأخرس".

ومن الأسئلة الموجعة والمضحكة التي ساقها السوريون، بعد قراءة قائمة العقوبات، ملاحقتها لمؤسسة عسكرية "الفرقة الأولى"، متندرين بأنه هل يعقل أن تمنع واشنطن مبيت الجنود أو تقلل من حبات البطاطا التي يجود نظام الأسد بها على جنوده؟

وكذا لجهة وسيم القطان، على الأقل وفق ما أتت عليه العقوبات من ذرائع لإدراجه بالقائمة أو المشاريع المشمولة بالعقوبات "فندق ومجمع سكني ومسجد قيد الإنشاء" لتغيب أعمال القطان وسواه من الوجوه والمشروعات الجديدة، عن الاستهداف الأميركي، وتترك واشنطن آمال السوريين بالضغط على النظام، معلقة بحزمة جديدة.

نهاية القول: إن استمرت الولايات المتحدة بالدغدغة وسرقة الأضواء الإعلامية، وبعد كل الوعيد الذي سبق القانون وآمال السوريين على "قيصر"، رغم أن ذكر الاسم يذكرهم بعشرات آلاف الشباب الذين قتلوا في سجون الأسد تحت التعذيب، لن تزيد الحزم النظام إلا استقواءً على الشعب واستهتاراً بواشنطن.

يعي السوريون اليوم، بل منذ دعوات هيلاري كلينتون الأسد للرحيل منتصف عام 2011، أن الولايات المتحدة وسواها من حاملي لواء الحريات وتحقيق العدالة، يهمهم ديمومة الصراع بسورية أكثر من نيل السوريين حريتهم وكرامتهم، ويعلم السوريون يقيناً أن عصابة الأسد ارتكبت من الجرائم ما يبرر للعالم القوي، استخدام أكثر مما فعلوا في العراق وليبيا واليمن، لكنهم بأعظم حالات الديمقراطية، كانوا يصرحون بمحاسبة الأسد إن استخدم الأسلحة المحرمة دولياً، وكأن استخدام الأسلحة التقليدية وغير المحرمة مسموح لقتل السوريين والطرف عنها مغمض.

سأهمس بأذن واشنطن، ولا أظن ذلك من الخيانة العظمة بمكان، أن إنتاج سورية من النفط لا يتجاوز 40 ألف برميل، لكن استهلاكها اليومي ثلاثة أضعاف على الأقل، فترى من أين وكيف تُسَدّ الفجوة، وسأكشف لمن روّج لقانون "قيصر" كمخلص للسوريين وتهلكة ونهاية للأسد، أن إيران عادت تعيث خراباً بسورية، بعد تطبيق القانون، أكثر من تفشي سرطانها قبله، وكذا روسيا وحزب الله الذي يشرف على مدّ الأسد بكل ما يضمن بقاءه على كرسي أبيه، من مشتقات نفطية وسلع وذخائر، بل ونقل الأنظار عبر إصدار تصريحات خلبية وافتعال معارك وهمية مع العدو الإسرائيلي.

أما عن حال السوريين، فذاك تعلمه واشنطن، ولا حاجة لتذكيرها بعد التقارير الدولية التي قالت، وبعد بدء العقوبات، إن الفقر والبطالة تعديا 80%، ومستوى التفقير ومحاولات الإذلال تدفع السوريين إلى التخلي عمّا يباع لمرة واحدة... فهل ستجود حزمتها الثالثة بتتمة أولاد الأسرة الحاكمة في دمشق، أم تعيد بعض أمل للسوريين ومزيد من ضغط على نظام الإجرام في دمشق؟!!