عشائر شرقي الفرات بعد "داعش": المواجهة مع "قسد" والنظام؟

28 يناير 2019
الصورة
يشكّل أبناء العشائر أكثر من نصف قوام "قسد"(فرانس برس)
+ الخط -

يتواصل التوتر بين "قوات سورية الديموقراطية" (قسد) وبعض العشائر العربية في مدينة الرقة، على خلفية مقتل أحد أبناء العشائر بنيران قوات "الأسايش" التابعة لـ"قسد"، وما أعقب ذلك من صدامات بين الطرفين، وحملات اعتقال ضد أبناء القبائل. وتتجدد هذه التوترات، في وقت تجري مفاوضات بين "قسد" والنظام السوري لتحديد مصير مناطق شرق الفرات، وسط تنافس بين الطرفين على كسب ودّ العشائر التي يشكّل أبناؤها أكثر من نصف قوام مليشيا "قسد"، خصوصاً مع اقتراب طي صفحة تنظيم "داعش" التي كانت محاربته وراء زجّ أبناء العشائر في هذه المليشيا. وقالت مصادر محلية إنّ قوات "الأسايش" ما زالت تعتقل عشرات الشبان من بلدة المنصورة ومحيطها غرب مدينة الرقة، شمال شرقي سورية، على خلفية إحراق مقرّ وثلاث سيارات تابعة لها، بعد تشييع شاب قتله عناصرها على أحد الحواجز. وأوضحت المصادر أنّ "قسد" نشرت حواجز إضافية في المنطقة، بالتزامن مع فرض حظر للتجوال.

وقال الناشط عمر الشمالي، لـ"العربي الجديد"، إنّ هناك جهوداً تبذل من بعض وجهاء المنطقة لتأمين الإفراج عمن جرى اعتقالهم، ومحاسبة قتلة الشاب المنحدر من عشيرة البوخميس. كما يطالب الأهالي قوات "الأسايش" بالتوقف عن ملاحقة الشبان بهدف سوقهم للخدمة في صفوف "قسد"، وما قد يتخلّل ذلك من عمليات مطاردة، كثيراً ما تتسبب في وقوع وفيات ومصابين.

وكانت أعقبت حادثة قتل الشاب حالة توتر بين أبناء بلدة المنصورة الذين أضرموا النار في سيارات ومفرزة تابعة لقوات الأمن الداخلي التابعة للأكراد (الأسايش)، قامت على إثرها الأخيرة بشنّ حملة اعتقالات ومداهمات واسعة في البلدة. كما ذكرت شبكات محلية إخبارية أنّ أهالي بلدة أبو حمام في ريف دير الزور الشرقي، خرجوا في تظاهرات ضدّ مليشيات "قسد" وقطعوا الطرقات في البلدة.

وأفادت شبكة "فرات بوست" بأنّ أهالي أبو حمام طالبوا "مجلس دير الزور المدني" الذي تديره "قسد"، بأن يكون للبلدة حصة من موارد النفط، ودعم عائلات القتلى والمتضررين من قصف التحالف الدولي، مشيرةً إلى أنّ الأهالي "قطعوا الطريق العام دير الزور – البوكمال وأشعلوا الإطارات. كما احتج الأهالي على فساد "مجلس دير الزور المدني"، وطالبوا بالتشغيل الفوري لمجموعات الري وتوفير المحروقات مجاناً.

وامتدت هذه التوترات إلى مدينة الشحيل في ريف دير الزور الشرقي، حيث أفادت شبكات محلية، أول من أمس السبت، بوقوع اشتباكات بين "مجموعة من المدنيين من أبناء مدينة الشحيل وعناصر من قسد، في محيط حقل العمر النفطي، سرعان ما امتدت إلى أحياء المدينة، واستخدمت فيها قسد الرشاشات الثقيلة"، وفق ما نقلت شبكة "فرات بوست". وفي مدينة الشدادي، بريف الحسكة الجنوبي، اعتقل عناصر "قسد" عدداً من الأشخاص بهدف سوقهم إلى "التجنيد الإجباري" في صفوف المليشيا.

وفي إطار أجواء الاحتقان والتوتر بين قوات "قسد" وأبناء العشائر العربية، قالت مصادر محلية قبل أيام، إنّ "العديد من العناصر انشقوا عن مليشيا قسد في محافظة الحسكة، وسط توتر في المنطقة مع الأهالي". وأوضح "اتحاد شباب الحسكة" أنّ 15 مسلحاً من "قسد" انشقوا عنها في ناحية تل براك بريف الحسكة، مشيراً إلى أنّ دوريات تابعة لهذه القوات داهمت قرية تل الخازوق للبحث عن "المنشقين"، حيث حصل تلاسن مع أهالي القرية، اعتدى على إثره مسلحو "قسد" على المدنيين. وذكر "اتحاد شباب الحسكة" أنّ سبب الانشقاق يعود إلى "تعمّد قيادة قسد زجّ المجندين العرب في الخطوط الأولى، وتعريضهم للقتل بالمفخخات والألغام التي يزرعها تنظيم داعش في الجبهات"، موضحةً أنّ "المئات من المقاتلين العرب يتحيّنون الفرصة للانشقاق".



وتشير مصادر محلية إلى تصاعد ظاهرة هروب الشباب من مناطق سيطرة "قسد" في الفترة الأخيرة، باتجاه الشمال السوري وإقليم كردستان العراق، خصوصاً مع إعلان تركيا نيتها شنّ عمل عسكري شرق الفرات، وذلك تخوفاً من سوقهم إلى التجنيد في صفوف "قسد".

إلى ذلك، ذكرت شبكات محلية أن أبناء عشيرة الشعيطات، المنحدرين من قرى وبلدات في ريف دير الزور الشرقي، يطالبون "قسد" بمعرفة مصير المخطوفين لدى تنظيم "داعش"، وبشكل خاص من أبناء الشعيطات.

وكانت توترات مماثلة تخلّلت العلاقة بين أبناء العشائر العربية ومليشيا "قسد"، خلال الفترات الماضية، كان أبرزها عقب اغتيال الشيخ بشير فيصل الهويدي، في القسم الشرقي من مدينة الرقة، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، حيث طالب وقتها وجهاء عشيرة البوشعبان والحليسات بقطع جميع الاتصالات مع "قسد" وعدم التنسيق معها في أي شأن عسكري أو مدني.

وسبقت ذلك توترات أمنية وحملات اعتقال في مدينة الرقة على خلفية خروج تظاهرات في أحياء الرميلة والمشلب والمحطة ضدّ وجود "وحدات حماية الشعب" الكردية فيها. كما انتشرت شعارات على جدران في تلك الأحياء، ضدّ "حزب العمال الكردستاني".

وفي تعليقه على هذه التطورات، قال المتحدّث الرسمي باسم "المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية"، مضر حماد الأسعد، إنّ "الاعتداءات تكرّرت كثيراً من قبل مليشيا قسد التي تتعامل بعنصرية ملفتة تجاه العرب، رغم أنّ الشباب العرب يشكلون أكثر من 80 في المائة من عناصرها، ولكن من دون أن يكون لهم أي مسؤول أو قائد أو مرجع، لذلك تتم معاملتهم بشكل مهين".

وأوضح الأسعد، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "الاحتجاجات على قتل الشاب في بلدة المنصورة وصلت إلى قريتي هنيدة والطبقة وإلى قرى شرق الفرات ومدينة الشدادي"، مضيفاً أنّ "هذا يعني أنّ الزواج الباطل بين حزب الاتحاد الديمقراطي والكتائب والعشائر العربية، ستكون نهايته قريبة، خصوصاً أنّ أغلب العرب الذين يعملون مع قسد انتسبوا إليها من أجل محاربة داعش ومن أجل المال".

وحول الخيارات المحتملة أمام أبناء العشائر بعد أن شارفت الحرب ضدّ تنظيم "داعش" على نهايتها، رأى الأسعد أنّ الشبان العرب "لن يرضوا بأن يعودوا إلى كنف النظام السوري مرة أخرى، حيث تجري قيادات قسد مفاوضات للعودة للعمل مع النظام، لقطع الطريق على الجيش السوري الحرّ والجيش التركي من أجل عدم تحرير منبج وشرق الفرات".

وأشار الأسعد إلى أنه "من خلال تواصلنا مع أبناء العشائر والقبائل السورية في منطقة الجزيرة والفرات، فقد أكدوا لنا أنهم ينتظرون قدوم الجيش الحر كي ينتفضوا على النظام ومليشيا قسد، بسبب ما يتعرضون له من انتهاكات يومية، مع خطف أبنائهم وإرسالهم إلى المعارك لتنفيذ مشروع الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية الكردية، لفصل منطقة شرق الفرات عن سورية. إضافة إلى سياسة التجويع، ومصادرة الممتلكات العامة والخاصة، وإغلاق المدارس الحكومية والجامعات والمعاهد، وتطبيق سياسة التكريد، مع حرمان الأهالي من الموارد والثروات الباطنية من النفط والغاز والطاقة الكهربائية".

وتحيل هذه التطورات إلى الإضاءة على تكوين مليشيا "قسد" التي تشكّلت في مدينة القامشلي، شمالي سورية، في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2015. وأصدرت هذه القوات حينذاك بياناً للتعريف بنفسها جاء فيه "إنها قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين تجمع العرب والأكراد والسريان وكافة المكونات الأخرى". وأوضح البيان أنّ هذه القوات تضمّ القوى العسكرية التالية: "جيش الثوار، غرفة عمليات بركان الفرات، قوات الصناديد، تجمّع ألوية الجزيرة، المجلس العسكري السرياني، وحدات حماية الشعب الكردية، ووحدات حماية المرأة الكردية". غير أنّ "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة"، وهي قوى مسلحة تابعة لحزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي، تشكّل العمود الفقري لهذه المليشيات. وجاء الإعلان عن تشكيل هذه القوات بعد إعلان الولايات المتحدة نيتها تقديم أسلحة لمجموعة مختارة من قوى مسلحة بغرض محاربة تنظيم "داعش".

وتبسط "قوات سورية الديمقراطية" سيطرتها على مساحات شاسعة من سورية، تتجاوز 40 ألف كيلومتر مربع من مساحة الدولة التي تبلغ 185 ألف كيلومتر مربع. ويبلغ عديدها نحو خمسين ألف مقاتل، أكثر من نصفهم من العرب، بحسب بيان لوزارة الدفاع الأميركية. وتزوّد الولايات المتحدة هذه المليشيا بانتظام بأسلحة ثقيلة، من بينها ناقلات جنود ومدافع هاون ورشاشات ثقيلة إلى جانب الذخيرة، فضلاً عن التدريب والدعم الجوي. واتُهمت "قسد"، خلال السنوات الماضية، بتهميش العنصر العربي فيها، وممارسة عمليات تهجير ممنهجة للمكونات العربية من المناطق التي سيطرت عليها. كما قامت بحملات اعتقال واسعة للشباب العربي وزجهم في معسكرات التدريب التابعة لها، إضافة إلى مصادرة الممتلكات العامة والخاصة وعمليات النهب والسلب وتدمير القرى العربية ومنع أهلها من العودة إليها.

وكانت الخلافات بين قيادة "قسد"، والمكوّن العربي بداخلها، طفت على السطح منذ عام 2016، بعد اندلاع مواجهات مسلحة بين قوات هذه المليشيا وعناصر "لواء ثوار الرقة"، على خلفية اعتقالات نفّذتها "قسد" بحق عناصر من اللواء. وقد تطورت هذه الخلافات إلى اشتباكات مسلحة بين الطرفين بريف الرقة الشمالي. وتقدّر مصادر مطلعة نسبة العرب المنضوين في "قسد" بنحو 65 في المائة، نحو 40 في المائة منهم تم تجنيدهم بشكل قسري (تجنيد إجباري)، بينما انضم نحو 25 في المائة طوعاً، أو تحت ضغوط المعيشة والفقر.