عدن.. صبرها طويل

07 اغسطس 2019
عدن مدينة كونية مسكونة بعمق التاريخ، تتوفر فيها خصائص التفوق الاقتصادي والصناعي الذي يحتاج لاستقرار سياسي مرهون بالتعايش والتنوع الفكري والثقافي والعرقي، وإدارة مؤهلة علمياً ومهنياً، تبدع وتبتكر بوعي ومدنية عدن.
عدن مصدر إشعاع وتنوير وخير، تدعى ثغر اليمن الباسم، منسوجة بحكايات وروايات النهضة والعصر والتحضر وكل جديد في المنطقة. عدن الطيبة كقلوب أبنائها، والصافية كصفاء بحرها، وحمراء في غيرتها القومية والوطنية، والجميلة بجمال نسيجها الاجتماعي الرائع، فخر كل عدني، مهما كانت جذور عائلته، صومالية، أو هندية، أو تركية، أو يهودية، أو عربية، بكل الجينات والأعراق.
عدن جمعت أوصالهم، لتشكلهم بهذه الكتلة الرائعة، ابن عدن الذي ولد فيها وترعرع في كنفها، درس في مدارسها وتمرغ في ترابها، تشبع مدنية وثقافة ومعرفة، وارتقى سلوكاً، وقضى عمره خادماً لها عاملاً تحت إمرتها، مدرساً ومهندساً وطبيباً وقاضياً وجندياً، خدمها بكل ما استطاع وامتهن، ولم يبخل عليها، ولم يطمع يوماً فيها كأرض، لا سكني ولا تجاري، ولا حكم ولا سلطة، كل ما يطلبه هو النظام والقانون، وما فيه من حقوق وواجبات ومساواة بين الناس. هذا المزيج الرائع هو عدن، بكل رؤاهم وثقافاتهم وأفكارهم وأعراقهم وأجناسهم ودياناتهم، ونهضت بهم وتربعت عرش الاقتصاد العالمي والموانئ الدولية.
بقراءة متأنية لما حدث ولازال يحدث في عدن، ستجد أنها في محيط لم يستوعب بعد أهمية هذه المدينة وطبيعتها ومميزاتها وموقعها الاستراتيجي، ولم يعِ تفردها الاقتصادي والتجاري. عدن ثروة قومية يجب التعامل معها كأي ثروة اقتصادية وقومية، ويجب أن تكون في مأمن من صراعات السياسة اللعينة، وأن لها خصوصية المناطق الحرة، منفتحة على الجميع بشروطها ومميزاتها، في اندماج يصقل الشخصية ويهذب النفوس ويشذب السلوك، وهي لا تقبل فرض واقع بالعنف.
عدن مدينة تفتح ذراعيها للجميع بصدر رحب، لكل من يريد نزع العصبية والقروية والعقلية المتحجرة من على كاهله، ليرتقي إلى المدنية، ويندمج في نسيجها الاجتماعي، ليكون جزءاً مهماً فيه، ولوناً رائعاً مكملاً لطيفه الجميل. وكل من يترك العنف والهيمنة والتحايل والطمع والجشع، ويدخل عدن متسامحاً محباً للحياة، متقبلاً للآخر، كما هو باختلافه وتنوعه، كل من يريد ينهل منها علماً وثقافة ورقياً، عدن مصدر إلهام لكل جديد وتجديد ونهضة وتحول لما هو أفضل.
وهي أيضاً عصية على تغيير خصوصيتها، وتشويه نسيجها، وتعكير صفو حياتها ورونقها، أكثر ما لا يروقها العنف الذي يصنع أمراً واقعاً من الفوضى والاضطهاد والاستبداد، ترفض العنصرية والفرز المناطقي وتهجير المقيمين فيها من زوار وعمال ومنتفعين وتجار ورؤوس أموال، هذه ليست من ثقافة وخصال عدن، فهي بريئة من هذه الأعمال وترتقي في تعاملها مع ضيوفها والعاملين فيها وزوارها واللاجئين إليها. عدن تمقت كل من يأتيها طامعاً بسلطة وجاه وتسيد، بعصبية وقروية وتخلف وجهل، كل من يحمل السلاح ويدخلها فاتحاً لتستسلم له ولعصبيته وتخلفه، للواقع العنيف الذي يجعله حاكماً وآمراً ناهياً في شؤون أمرها بجهالة وعبث بمقدراتها، فيعمل على تغيير صفاتها وطبيعتها السمحة وثقافتها الراقية، ليجعل منها قريته وعصبته وسلالته.
إنها عدن، صبرها طويل، ونفسها واسع، فاحذروا التمادي، فهي بركان خامد إن ثار ستكون جهنم التي ستصلي العابثين، وعقليتهم المتحجرة وتخلفهم وشططهم، ولن ينفع حينها الندم بعد فوات الأوان.
تعليق: