عبد الله أحمد النعيم.. مفكر من عصرنا

30 ابريل 2018
الصورة
(عبد الله أحمد النعيم ، تصوير: جون ديزني)

في مقابلة نشرت مؤخراً في الصحافة الألمانية، سيعبّر المفكر الإسلامي عبد الله أحمد النعيم (السودان، 1950) عن مختلف تصوراته حول الدولة والعلمانية والشريعة. ولا ريب أن النعيم يمثل صوتا متفردا داخل الفكر الإسلامي المعاصر، ومع ذلك، فإننا سنقف على بعض التناقضات في طريقة تفكير الرجل.

يشير النعيم، في المقابلة التي أجرتها الصحافية الألمانية كلاوديا مينده معه، إلى أمر أساسي وهو أن الشريعة ليست مرادفة للقوانين، بل يتعلق الأمر بالنظام المعياري للإسلام كما يتجلى في القرآن والسنة والأحاديث النبوية.

ينتقد النعيم، من خلال تعريفه هذا، المفهوم السائد اليوم حول الشريعة، سواء لدى الإسلاميين أو في الكتابات الغربية المنتقدة للإسلام، والتي تحصرها في قوانين أو في نظام الحدود، وحين يفهم الشريعة معياريا، فهو بالتالي يخرجها من مجال السلطة إلى مجال الأخلاق، أي أن الشريعة في نظره ليست سيفا مسلطا على الرقاب، أو ليست دولة.

يقول: "إن طبيعة الشريعة لا تسمح بالتقنين. إن كل تقنين من شأنه أن يختزل التعقيد الذي يطبع تقاليد ضاربة في القدم ورؤى متناقضة في رؤية مختزلة تبسيطية. وهو ما من شأنه أن يكرس رأي السلطة الحاكمة فقط. طبعا هناك دول من المغرب وموريتانيا وحتى إندونيسيا تؤكد أنها تطبق الشريعة، لكن الأمر يتعلق بسياسة غير شرعية. لأن الدولة تعمد إلى قراءة انتقائية للأوامر الدينية بدل أن تترك المسلمين أنفسهم يقررون ما يريدون اختياره".

وبالنظر إلى هذا التعريف الذي يقدّمه النعيم للشريعة، لا يمكننا أيضا أن نحرم المسلمين في الدول الغربية من أن يعيشوا حياتهم وفقا لمبادئ الشريعة، وفي الآن نفسه يؤكد ضرورة الفصل بين الدين والدولة، بل إنه يؤكد أن العلمانية تحمي حق المسلمين في ممارسة دينهم، مؤكدا أنه ليس من حق الدولة أن تتدخل في قناعات الناس الدينية.

غير أن النعيم يفرق بين الدولة والسياسة، فلا علاقة للدولة بالدين في رأيه، أو لا يجب أن تحكم باسمه، ولكن الدين حاضر في السياسة، ويضرب مثلا بالحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا والذي يرى أن قناعاته السياسية تستلهم المسيحية. أما القول بضرورة طرد الشريعة من السياسة، فمن شأن ذلك في رأيه حرمان المسلمين من حقوقهم. وفي هذه المقابلة الممتعة، سيرى النعيم أن الدولة التي أسسها المسلمون قبل 1400 عام في المدينة، "لم تكن إسلامية ولا دينية. لقد كانت هذه الدولة مؤسسة سياسية، ولم يسمها، لا المسلمون أنفسهم ولا خصومهم، بالدولة الدينية. إن مفهوم الدولة الإسلامية هو تكوين ما بعد كولونيالي، يجمع بين الدولة القومية الأوروبية وفكرة التحرر الإسلامي".

أما إقبال بعض الدول العربية على التنصيص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة، فيبقى الأمر بالنسبة للنعيم مجرد بروبغندا، كما الحال عليه في مصر، ولا يتضمن نتائج قانونية، منتقدا تحالف المؤسسة الدينية والعسكر في هذا البلد.

ما يمكن أن نأخذه على موقف النعيم، اعتقاده بأن قلوب المسلمين وعقولهم "ما زالت محكومة بنظرية المعرفة الغربية وبالفلسفة الغربية وبالمفاهيم الأوروبية عن إدارة الدولة، رغم أنهم استقلوا اسميا منذ عقود". فلو كان الأمر على تلك الحال، لكنّا مجتمعات ديمقراطية، وليس مجتمعات يحكمها الريع والاستبداد. بل يمكن أن نقول إن غياب الغرب بالأحرى معرفته عن ثقافتنا، أو حضور هذا الغرب كسلطة وليس كمعرفة، هو من يؤبد خضوعنا للاستعمار.

إن مفهوم النعيم عن التقليد ثالثي، وأعني بذلك أنه يقع في الفخ نفسه الذي وقع فيه المفكرون الثالثيون بمختلف مشاربهم، والذين أغفلوا أن الطريق إلى التقدم، بل طريق التجديد والتلاقح الحضاري، يمر عبر التقليد. لكن يبقى علينا فقط أن نفرق هنا بين تقليد واع يطلب تجاوز التخلف وآخر يؤبد العقل التقبلي الذي ورثناه عن الاستبداد.