طرد "مجاهدي خلق": لا مكان لمعارضي إيران في العراق

12 سبتمبر 2016
الصورة
رجوي أكدت عملية إجلاء أعضاء المنظمة (سيافوتش حسيني/Getty)
+ الخط -
بعد ثلاثة عقود على وجودها في العراق كحركة معارضة للنظام الإيراني، غادرت آخر دفعة من أعضاء منظمة مجاهدي خلق العاصمة العراقية بغداد متوجهة إلى ألبانيا برعاية مباشرة من الأمم المتحدة التي تولت مهمة إخراجهم من العراق بعد سلسلة اعتداءات طاولتهم هم وعائلاتهم. تفاوتت هذه الانتهاكات بين عمليات اغتيال واقتحام مقرات المنظمة وقصف صاروخي من بينها مجازر دموية أسفرت عن مقتل وإصابة المئات منهم خلال السنوات الماضية. 

وكانت أبرزها مجزرة معسكر أشرف في ديالى مطلع عام 2013 عندما اقتحمت مليشيات مسلحة ترافقها وحدات من الجيش العراقي معسكراً لسكن أعضاء المنظمة قرب قضاء الخالص، شرق ديالى، ما أدى إلى مقتل وإصابة نحو 200 منهم، بينهم نساء وأطفال من عائلات أعضاء المنظمة. وتلتها مجزرة ليبرتي قرب مطار بغداد باقتحام مماثل بعد نحو ستة أشهر أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من أعضاء المنظمة.

وأعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في بيان له، أول من أمس السبت، أن "الحكومة العراقية أنهت بشكل تام وجود منظمة خلق الإيرانية على الأراضي العراقية. وتمكنت من إغلاق هذا الملف وطي صفحة أخرى من مخلفات النظام البعثي"، على حد ما جاء في البيان. وأوضح أن "آخر دفعة والبالغ عددها 280 عنصراً غادرت إلى جمهورية ألبانيا"، مشيراً إلى أن "العملية تمت بالتعاون مع المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة".

من جانبها، أعلنت رئيسة منظمة خلق الإيرانية مريم رجوي عن نجاح عملية نقل عناصرها كاملة إلى خارج العراق. وقالت رجوي في مؤتمر صحافي مساء السبت إن "عملية نقل عناصر المنظمة انتهت بنجاح كامل من معسكر ليبرتي إلى خارج العراق". وأضافت أن عملية النقل جرت إلى دول غربية مثل ألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، والنرويج، وفنلندا، والدنمارك، وبلجيكا، وإيطاليا، وإسبانيا، وكندا".

معارضة لنصف قرن
و"مجاهدي خلق" منظمة إيرانية تعني "مجاهدو الشعب". تأسست عام 1965 كحركة معارضة لنظام الشاه محمد رضا بهلوي وتدعو لحكم ديمقراطي حر في إيران، وشاركت في إسقاط هذا النظام في ثورة 1977-1979. غير أن سيطرة حركة الخميني على مرحلة ما بعد سقوط نظام الشاه الملكي، عجلت بالتصادم بينهما بعد رفض المنظمة جمع السلطة الدينية والتنفيذية في يد رجل واحد هو آية الله الخميني وأكدت أن ذلك يمثل خطرا كبيرا على مستقبل إيران. استمرت المعارضة بشكل سلمي في البلاد حتى 1980، إذ دعمت "مجاهدي خلق" الرئيس الإيراني الأسبق أبو الحسن بني صدر في مواجهة المؤسسة الدينية. بدأت المنظمة تسيّر تظاهرات ضد نظام الخميني، فقوبلت بضربات عنيفة على يد الحرس الثوري التابع للخميني واضطرت للجوء إلى المنفى لتواصل معارضتها للنظام.





عام 1986 تحولت بغداد إلى أحد أبرز معاقل المنظمة بعد العاصمة الفرنسية باريس. وكانت منطلقاً لهجماتها ضد أهداف داخل إيران سواء كانت منشآت أم أشخاصاً من رؤوس النظام بموافقة من العراق الذي كان يخوض حرباً ضد إيران. وكان معسكر أشرف، قرب مدينة الخالص، قاعدة لـ"مجاهدي خلق"، التي نفذت عمليات ضد القوات الإيرانية خلال تلك الحرب ونقلت إليه الغنائم من دبابات وآليات بالإضافة إلى دوره كمركز للتدريب.

تنتقد الحركة من قبل كثير من المراقبين لتحولها إلى النهج العسكري وتنفيذها عمليات عسكرية داخل إيران انطلاقاً من أراضي العراق الذي كان يخوض حرباً معها، وهو ما جعلها موضع تشكيك بوطنيتها قبل كل شيء. ويضاف إلى ذلك ضعف حضورها في المنطقة العربية، وهو ما تعزوه شخصيات في المنظمة إلى تحاشي الدول العربية أصلاً لها تجنباً لأي ازمات مع النظام الإيراني قد تؤدي إلى خلخلة الأمن في هذه الدولة أو الأخرى.

صنفت الإدارة الأميركية عام 1997 حركة مجاهدي خلق من بين التنظيمات الإرهابية، إلا أن هذا لم يمنع الحركة من مزاولة نشاطها في الولايات المتحدة. استصدرت في مايو/أيار 2001 حكماً من إحدى المحاكم الأميركية بأن لها الحق في الحصول على فرصة للدفاع عن نفسها. أثناء غزو العراق عام 2003، تعرضت مواقع الحركة لقصف القوات الأميركية البريطانية، واعتبرتها جزءا من التشكيلات العراقية. إلا أن القوات الأميركية عادت بعد سقوط بغداد وأعلنت عن توقيع اتفاق مع الحركة يضمن السماح لها بالاحتفاظ بسلاحها والبقاء في العراق ومواصلة كفاحها المسلح. هذا الأمر أقلق طهران ودفع بعض مسؤوليها لاتهام أميركا بـ"الكذب في حملتها على الإرهاب".

عام 2004، ترددت تقارير غربية عن وجود مفاوضات أميركية إيرانية لمقايضة بعض أعضاء حركة مجاهدي خلق ببعض الأعضاء البارزين في تنظيم القاعدة الذين فروا إلى إيران أثناء الغزو الأميركي لأفغانستان في 2001. وكان من بينهم أحد أنجال زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن، والمتحدث باسم التنظيم سليمان أبو غيث، والرجل الثالث في "القاعدة"، المصري سيف العدل، إلا أن إيران نفت ذلك لاحقاً. 

ويبلغ عدد أعضاء الحركة في العراق نحو ستة آلاف شخص غالبيتهم مع عائلاتها، إلا أن عددهم تناقص كثيراً بفعل عمليات القتل والتصفية المستمرة والتي يتهم فيها المليشيات والحرس الثوري، إضافة الى مغادرة الكثير منهم طوعاً بعد الاحتلال. أصبح عددهم نحو 3400 وتم وضعهم في مخيم صغير قرب مطار بغداد الدولي غربي العاصمة. وصفه فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة في تقرير له بأن المكان مرادف للمعتقل ومناقض للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.




تهديدات إيرانية وصفقات أميركية

إجلاء أعضاء الحركة المعارضة لإيران الذي وُصف داخل العراق بأنه طرد صريح يخالف مواثيق الأمم المتحدة نفسها التي رعت عملية إخراجهم من العراق، كما أنه يُغلق 16 ملفاً مقدماً لدى القضاء حول المجازر التي تعرضوا لها بالبلاد. ويقول ضباط كبار في الداخلية العراقية إن إجلاء أعضاء المنظمة جاء بناء على تهديدات إيرانية بعد هجمات نفذها الحرس الثوري على مقراتهم بالعراق أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات منهم. فيما تؤكد مصادر سياسية ما تسميه وجود عامل ثان يقف وراء الموضوع، وهو صفقة أميركية سابقة غير معلنة تعود إلى العام الماضي فترة الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب.

ووفقاً لعميد بوزارة الداخلية العراقية تحدث لـ"العربي الجديد" من بغداد، فإن "عملية إخراج أعضاء المنظمة بدأها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بعد إبلاغه الأمم المتحدة بأنه غير مرغوب بهم ويجب أن يخرجوا، والعراق غير قادر على حمايتهم بعد الآن". ويؤكد أنه " لم يسمح لأعضاء المنظمة بأخذ حاجياتهم أو وداع أصدقائهم. وفي الأشهر الأخيرة أصبح وضعهم الصحي والمعيشي مزريا وكل ذلك متعمد"، مبيناً أن "جميع الهجمات التي استهدفتهم كانت من تدبير الحرس الثوري وتنفيذ المليشيات".

من جهته، يقول عضو التيار المدني العراقي سامي الطائي لـ"العربي الجديد" إن "من يريد أن يكسب ودّ إيران عليه أن يهاجم مجاهدي خلق ولو بحصاة يلقيها من على سياج المعسكر حيث يسكنون"، مبيناً أن "الموضوع لا يحتاج لوقت طويل حتى نعرف ما بات عليه العراق اليوم فهو يستقبل الحوثيين ومطلوبين للقضاء البحريني ويأويهم وبنفس الوقت يطرد مجاهدي خلق"، على حد قوله.

في المقابل، تحاول قيادات داخل التحالف الوطني الحاكم للبلاد ومن الجناح الموالي لإيران بزعامة نوري المالكي نفي صفة الانتداب الإيراني للعراق من خلال زعمهم عن "وجود فقرة داخل الاتفاق النووي بين الغرب وإيران تتضمن إبعاد أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق كونها تمثل تهديداً".


المساهمون