ضربة أميركية لإيران والعراق ينزف

ضربة أميركية لإيران والعراق ينزف

05 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
باغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وجّه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضربة موجعة إلى طهران، فالجنرال القوي كان أحد أهم أعمدة الاستراتيجية الإقليمية لإيران. ولكن هذه الضربة تُحسب ليس في نتيجتها الفورية، بل بارتداداتها العراقية والإقليمية، فمن حيث شاء أو لم يشأ، أعاد ترامب في قتل سليماني التركيز على الوجود الأميركي في العراق وفي المنطقة العربية، وأضعف موجة الانتقادات الموجّهة إلى النفوذ الإيراني في شوارع بغداد وبيروت.
لم تكن مطالبات المتظاهرين المحتجين العراقيين تعني ترامب، فصرخة رفض الظلم ضد الطبقة الحاكمة المدعومة إيرانياً، والمتوافق عليها أميركياً، لا تهمه إلا بقدر إمكانية توظيفها لإضعاف النفوذ الإيراني، وحماية المصالح الأميركية، فليس لحقوق الإنسان مكان في قاموسه، ولا في أولويات السياسة الأميركية، فالضربة جاءت في لحظة صعود إسرائيل مصدّراً إقليمياً للغاز الطبيعي، وفي غضون احتدام الصراع الأميركي الإيراني على حصة النفوذ في العراق، فمن ناحيةٍ، تتسق عملية الاغتيال التي تندرج تحت القتل غير القانوني مع سعي الولايات المتحدة إلى استكمال التفوّق العسكري الاقتصادي الإقليمي لإسرائيل الذي امتد، بعد اتفاقية خط الغاز مع اليونان وقبرص إلى أوروبا، وتعزيز دور إسرائيل مصدّراً دولياً لثروة الطاقة المنهوبة من الفلسطينيين، لكنها جاءت ردّاً مباشراً على محاولة إيران إنهاء معادلة التوازن بين النفوذين، الأميركي والإيراني، في العراق، وإنْ كانت إيران لم تهدّد، في أيٍّ من المنعطفات في علاقتها التناحرية مع واشنطن، أياً من المصالح النفطية في بلاد الرافدين.
مشاعر الفرح بالاغتيال التي عبر عنها عراقيون وسوريون كثيرون لا تمثل بالضرورة موقفاً
 سياسياً مؤيداً لواشنطن، بقدر ما هي ردة فعل على دور سليماني في سورية والعراق، فقد كان هذا الرجل بين فئاتٍ واسعةٍ من الشعبين السوري والعراقي، من رموز القمع الدموي، فلم يكن ترامب، عندما صادق على قرار عملية الاغتيال، ينتقم لهم ولدموعهم، فأولوياته تندرج تحت تصدير أزمته الداخلية بعد قرار عزله المرجح أنْ يُنَفَذّ. ولكن وإن كانت بعض دوافعه شخصية، فقد اختار ضربة تخدم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. ولعل أهم رسائل الاغتيال هي القول لطهران إن هناك خطوطاً حمراً غير مسموح تجاوزها، فقرار إنهاء الملف الفلسطيني بإلغاء حقوق الشعب الفلسطيني يجب أن يبقى بيد أميركا وإسرائيل، وليس بيد أحد آخر، ولن تسمح لطهران وأي طرف بإزعاجها في هذا الخصوص. ويتم التشديد هنا على تعبير إزعاج، لأن السياسة الإيرانية، على الرغم من كل التهديدات الموجهة منها إلى تل أبيب، تميزت بالبراغماتية، فدعمت المقاومة الفلسطينية، بقدر ما كان ذلك يخدم أهدافهما، لكنها لم تتحدّ، على سبيل المثال، التفاهمات الروسية – الإسرائيلية بشأن التحرّكات في الأجواء السورية، على الرغم من أن معظم الضربات الإسرائيلية استهدفت أهدافاً لحزب الله، فإيران تجيد توظيف تصعيدها وتهدئتها مع إسرائيل للحفاظ على نفوذها، من دون الاندفاع إلى مواجهة مع دولة الاحتلال.
بالمفهوم الأميركي، شكّلت قدرة قاسم سليماني على ربط خيوط التحرّكات الميدانية بالأهداف الاستراتيجية مصدر إزعاج، وفي فتراتٍ، مصدر قلقٍ للولايات المتحدة، ولكنها لم تتخطّ أي إدارة أميركية، قبل تعيين بعض الحدود المرسومة ضمنياً في العلاقة مع طهران، فهذه أول عملية اغتيال لشخصية محورية في الجمهورية الإسلامية، بل وتم الإعلان عن العملية بكل صراحة وباعتزاز، ثم نشر تفاصيل العملية لتأكيد جدّية الرسالة الى طهران، بالتزام حدودٍ ترى الإدارة الأميركية أن إيران تجاوزتها في العراق خلال الاحتجاجات ومحاصرة السفارة الأميركية في بغداد.
قد يكون ما حدث في محيط السفارة الأميركية في بغداد هو ما دفع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بتنفيذ الاغتيال في هذا التوقيت، فالاحتجاجات وقعت ليس فقط أمام أنظار قوات الحشد الشعبي، بل سمحت هذه بدخول المحتجين محيط السفارة، وبإشعال الحرائق، من دون تدخل، ومن دون محاولة منعهم، أي برضى من قيادة الحشد الشعبي العراقي، وتشجيع منها، وهي التي يعتبر الجنرال سليمان بمثابة "الأب الروحي" لها، فالعملية لم تستهدفه وحده، بل أيضاً نائب قائد قوات الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، الذي كان في استقباله في مطار بغداد.
وإذا عدنا إلى ما قبل عملية الاغتيال، بدءاً من لحظة محاصرة السفارة، نجد تتابعاً غريباً للتصريحات الأميركية، فردة فعل ترامب الأولى كانت التهديد والوعيد، ثم الطلب، بصيغة الأمر، من الحكومة العراقية، إخلاء الساحة المحيطة بالسفارة من المحتجّين، ومن قوات الحشد الشعبي. ثم ظهر ترامب ليلة رأس السنة، وقال، بهدوء لافت، إنه لا حرب مع إيران، وشكر الحكومة العراقية على تعاونها في تأمين محيط السفارة، كما تم الحديث عن تعاون أميركي – عراقي، لإعادة السيطرة على المنطقة الخضراء موقع السفارة، وكذلك مباني الحكومة العراقية، وذلك كله فيما كان يخطط ترامب لتوجيه ضربته المفاجئة والموجعة إلى طهران.
لا يمكن تفسير التسلسل الغريب في تصريحات ترامب وأفعاله بتحليل شخصية الأميركي المتقلبة. ولكن يبدو أنه كان يحاول أن يرسم خطاً رفيعاً بين العلاقة مع الحكومة العراقية ككل والأجنحة 
داخل الحكومة والأجهزة الأمنية المرتبطة بسليماني مباشرة، أي محاولة كسر سلسلة هرمية تعتقد واشنطن أن سليماني نجح في تثبيتها. ومن هنا تعينت الأهداف المحدّدة، وتم اختيار بغداد موقعاً لعملية الاغتيال، فالمقصود بالأساس هو النفوذ الأمني لإيران والفصائل التابعة لها.
وحتى لو نجحت الضربة بكسر "السلسلة"، فالارتدادات في القريب المنظور ليست لصالح الولايات المتحدة، إذ نجح ترامب في إعادة التحشيد ضد الولايات المتحدة ومع إيران، لكن ذلك يجب أن لا يكون سبباً لاحتفاء القوى التقدّمية في العالم العربي، لأن عملية ترامب أضرت بمشروعية الاحتجاجات ضد النخب الحاكمة في لبنان والعراق، وسهلت وصم المتظاهرين باتهامات تضعهم في سياق المشروع الأميركي. وفي الحالة العراقية، تشريع قمعهم، بل الإمعان في القتل أو التنكيل.
قد تصبح عدالة القضايا الاجتماعية والتحرّر الوطني في الشارع العربي، بما في ذلك نضال الشعب الفلسطيني، ضحية مواجهة إيرانية أميركية في المنطقة. وثمّة الخوف من خطر الحرب التي لم تفق من آثارها ومآسيها عدة شعوب عربية، فيما الخاسر الأكبر، في القريب المنظور، هو الشعب العراقي، فصوته الذي بشّر بعراقٍ جديدٍ تطغى عليها حرب المصالح الأميركية الإيرانية. ويستمر بالتالي مسلسل التدمير الذي أشعلته سنوات الحصار والغزو الأميركي الذي جلب معه التركيبة الحاكمة، الممعنة في فسادها وقسوتها، وإنْ تجد نفسها، ولأول مرة، وقد أتقنت لعبة الموازنة بين التبعية لواشنطن إلى طهران، مضطرة للاختيار، إلا إذا تم الوصول إلى تجديد المعادلة القائمة، ولكن بشروط جديدة بين طرفي النزاع على السيطرة على العراق.
في المحصلة الأولى، تكسب إيران سياسياً من ضربة اغتيال قاسم سليماني، لكن هذه الضربة قد تلزمها بخطوط حمر جديدة، تفرضها الولايات المتحدة، لإبقاء توازن بين القوتين في العراق .. وفي الأثناء، يتعمق جرح العراق.