ضرائب ليّ الذراع وشقّ الأنفس

07 مايو 2020
الصورة
الضرائب لا تقابلها خدمات لائقة (العربي الجديد)
+ الخط -
لا ضرائب دون خدمة، والضرائب المفروضة دون أن تقابلها خدمة لدافعها يمكن أن نطلق عليها إتاوة وجباية وحصولا على مال بالتهديد وبـ"ليّ" الأذرع، سمها كما شئت.

هذه هي القاعدة المتعارف عليها في معظم دول العالم، فالحكومات تفرض الضرائب والرسوم مقابل تقديم خدمة جديدة للمواطن، أو تحسين خدمة قائمة، ومقابل تحصيل ضرائب توفر الدول للمواطن تعليماً وعلاجاً ومواصلات عامة مجانية.

وإذا أرادت الدولة تحسين أداء القطاع الطبي ورفع مستوى الخدمة فيه وإقامة مستشفيات ودور رعاية صحية جديدة، فإنها تأخذ من أموال دافعي الضرائب لتمويل هذه المشروعات التي يلمس المواطن تحسن خدماتها مباشرةً.

وعندما ترفع الدولة تكلفة تذكرة مترو الأنفاق أو القطارات أو المواصلات العامة، فإن المواطن يشهد تحسناً مباشراً في الخدمة، ويتكرر ذلك مع المدارس والجامعات وغيرها من جهات النفع العام، كالمياه والكهرباء وشبكات توصيل الغاز وشبكات الطرق والكباري وغيرها.

وعندما يدفع المواطن ضريبة على الدخل، أو ضريبة القيمة المضافة على السلع المشتراه والخدمات، فإن أول شيء من المفروض أن يحصل عليه هو تعليم جيد، ومقعد لابنه في المدرسة، ودراسة مجانية في التعليم على الأقل قبل الجامعي، وسرير في المستشفى وأدوية مجانية أو يتناسب سعرها مع دخله.

كما يحصل على طريق ممهد يسير عليه بسيارته دون أن يقع في حفرة أو بلاعة صرف صحي، أو مطبات تقصر العمر الزمني لسيارته، ويجد شبكة إنارة في الشارع وأمام منزله، والأهم جهاز شرطة قويا يطبق القانون على الجميع، ويوفر الأمن ويحمي الممتلكات، ويكافح الجريمة، وجيشا قويا يدافع عن حدوده ويصد أي عدوان خارجي.
في بريطانيا، أحد أبرز رموز الرأسمالية حول العالم، يدفع المواطن ضرائب مقابل الحصول على تعليم وعلاج مجاني، ومواصلات عامة مجانية للطلبة ولمن تجاوزوا سن الـ65، ويحصل كبار السن غير القادرين مادياً على سكن مجاني من الدولة، إضافة إلى أدوية مجانية ودعم مالي لمساعدتهم على مواجهة الاحتياجات المعيشية، وتوفر الدولة أنظمة التقاعد.

أما في بلادنا، فأنت مطالب بسداد الضرائب، دون أن يكون من حقك أن تسأل عن مصير المليارات التي تُجمَع من الممولين ولا عن أوجه إنفاقها، بل عليك أن تدفع وأنت ساكت، وعندما تسأل، يقال لك: "وأنت ما لك؟ أدفع ولا تسأل، هذه مهمة الدولة، والحكومة تعرف جيدا أوجه الانفاق المناسبة للإيرادات الضريبية"، أو تُهدَّد بالتهرب الضريبي وتحويل ملفك إلى القضاء أو جهة سيادية ي حال سؤالك عن مصير أموالك التي يتم اقتطاعها من دخلك وأرباحك رغم حاجتك الشديدة لها.

بل ليس من حقك أن تسأل عن مصير الضرائب المتأخرة المستحقة على الحيتان والقطط السمان من رجال الأعمال والنافذين في الدولة، وليس من حقك أن تسأل: لماذا تطبق الضرائب والرسوم على المواطن والموظف، ويتهرب منها كبار المستثمرين ورجال البزنس وأصحاب الشركات الكبرى؟

في بلادنا، أنت مطالب بدفع كل أنواع الضرائب والرسوم والتمغات لتمويل الخزانة العامة الخاوية، وتغطية عجز ضخم في الموازنة العامة للدولة أنت غير مسؤول عنه، بل مسؤول عنه حكومات فاشلة ومستبدة، وأحيانا حكومات أساءت للمال العام، راحت تغترف منه لتمويل مشروعات لا تمثل قيمة مضافة للاقتصاد والمواطن.

في بلادنا، أنت مطالب بسداد الضرائب وفي موعدها، ومع ذلك ليس من حقك الحصول على خدمة تعليمية وصحية مجانية، بل ويتم بيع أسعار السلع والخدمات والوقود والأدوية وغيرها حسب الأسعار العالمية، وقوى السوق والعرض والطلب.

في بلادنا أنت مطالب بسداد الضرائب حتى على الهواء الذي تتنفسه؟ وفي المقابل ليس من حقك حتى السؤال عن حقك في استنشاق هواء نظيف غير ملوث.

المساهمون