صيف مصري مأزوم وفوضوي

03 يونيو 2020
الصورة
تعيش مصر حاليا على وقع أربع أزمات خطيرة، تهدد صحة البلاد واقتصادها وأمنها ومواردها المائية، وتنذر بانتشار غضب المصريين على ممارسات حكومتهم القاصرة التي ساهمت في تفاقم التحديات المختلفة، كما تنذر بصيفٍ ساخنٍ مأزوم ومحتقن، تتزايد فيه معدلات القمع الحكومي الموجّه هذه المرّة ضد فئات جماهيرية غير مسيسة، كأسر المرضى والأطباء والفقراء والعاطلين عن العمل، ما يدفع البلاد نحو مزيد من الاحتقان والاضطرابات العشوائية، في غياب البدائل السياسية الإيجابية، والتي عمل النظام الحاكم منذ يوليو/ تموز 2013 على استئصالها بشكل عنيف ومستمر. 
الأزمة الأولى صحية خالصة، ليس لها علاقة بقوى المعارضة المصرية من قريب أو بعيد. فاجأت أزمة كورونا حكومات مختلف الدول، وكشفت استعداد بعضها واهتمامها برعاية صحة مواطنيها، وتراخي حكومات أخرى فشلت في التعامل مع الوباء لأسباب أيديولوجية أو سياسية. دولة كألمانيا مثلا عملت على الاستعداد للمرض، وتطوير اختبارات للكشف عنه منذ علمها به في يناير/ كانون الثاني الماضي، ما ساعد على الحد من انتشاره في ظل بنية صحية ممتازة. على الجانب الآخر، فضحت الأزمة حكومات دول أخرى، كأميركا والبرازيل، لا تتمتع بالكفاءة اللازمة وتجاهلت التحذيرات الصحية وتعاملت بشعبوية مع الوباء، حتى تفشى بمعدّلات مخيفة وسط مواطنيها تاركا عشرات آلاف الموتى الذين كان يمكن حماية أرواحهم، لو تعاملت حكوماتهم مع الوباء بجدية وكفاءة.
كشف أزمة كورونا تهالك القطاع الصحي في مصر، فنصف الأطباء تركوا بلادهم للعمل في 
الخارج، بسبب تردّي أوضاعهم المعيشية، والأرقام التي تذكرها الحكومة المصرية بشكل متكرر عن عدد الأسرّة ومستشفيات العزل وأجهزة التنفس الصناعي المتوفرة لا تستحق التكرار، لأن الجميع يعلم أن النظام الصحي متهالك ويعاني الإهمال منذ عقود، ولا يرتقي إلى المعايير المطلوبة، ولن يصمد في مواجهة الأزمة الصحية في حالة انتشار الوباء.
وللأسف، تبدو مصر مقبلة على مواجهة قاسية مع كورونا بعد وصوله، في أواخر الشهر الماضي (مايو/ أيار) إلى معدلات انتشار واسعة (أكثر من ألف حالة يوميا)، وفقا لأرقام الحكومة المصرية نفسها، والتي يشكَّك في دقتها بسبب قلة عدد الاختبارات التي تجريها للكشف عن الفيروس، ورفضها التطبيق الواسع للاختبارات، بما في ذلك وسط الأطباء أنفسهم. ولعل انتفاضة الأطباء أخيرا بسبب عدم توفر الأدوات والملابس الواقية، وأماكن الرعاية للأطباء المصابين، والتعويضات المناسبة للمتوفين منهم، وتزايد الإصابات والوفيات في أوساطهم، أوضح دليل على ضعف مستويات الرعاية الصحية المتوافرة، فإذا كان هذا حال الأطباء، فما هو حال المواطن العادي، خصوصا في الأحياء والمدن الفقيرة والمهمشة، والتي تمثل غالبية المجتمع المصري؟
وكعادتها، خرجت الحكومة المصرية مبشرة بقرب وصول الوباء إلى مرحلة الذروة، وأنه سيبدأ في التراجع، وربما الانحسار قريبا (في منتصف يوليو/تموز وفقا لوزير التعليم العالي خالد عبد الغفار) من دون تقديم أدلة كافية على ذلك، خصوصا أن الوباء ما زال ينتشر في مصر بمعدلات كبيرة، في ظل قلة عدد الاختبارات التي تجريها الحكومة المصرية، ما قد يغطي على الأعداد الحقيقية للمصابين والوفيات ومستويات انتشار الوباء.
لذا تبدو مصر مقبلةً على أسابيع صعبة من انتشار الوباء وتزايد ضحاياه، بعد أن تراخت الحكومة في تطبيق إجراءات الحظر، حيث قامت بتخفيفها منذ أوائل شهر إبريل/ نيسان، تحت ضغوط من رجال الأعمال، ولن تفلح محاولتها لوم المصريين ووعيهم، بعد أن انتشر الوباء بمختلف أنحاء البلاد.
الأزمة الثانية اقتصادية تتعلق بكورونا أيضا، فتوقعات صندوق النقد الدولي تفيد بتراجع نمو الاقتصاد المصري إلى نسبة 2% فقط خلال العام الحالي، بعد أن كان مرشحا للنمو بأكثر من 5%، كما بدأت مصر في الاقتراض لمواجهة تبعات الأزمة على تراجع الإيرادات، ولكن تأثير الأزمة الأخطر سيظهر في تزايد معدلات الفقر والبطالة خلال الشهور المقبلة.
أضرّت الأزمة كثيرا بقطاعات كالسياحة وبالعمالة غير الرسمية، وهي بالملايين، وأضرّت 
بالعاملين في دول الخليج، ومن شأن تلك العوامل أن تتراكم تباعا، وأن تترك أثرها على أوضاع المصريين الاقتصادية في الشهور المقبلة، فتراجع معدلات النمو قد لا يكون المشكلة الأكبر، لو كانت هناك شبكة ضمان اجتماعي أو معدلات مقبولة للبطالة والفقر، ولكن هناك مشكلة رئيسية، تكمن في اختلال معدلات التوزيع وانتشار الفقر والبطالة وسط نسب كبيرة من المصريين، من دون أدنى سبل الحماية.
الأزمة الثالثة أمنية، عادت إلى السطح بعد المواجهات التي شهدتها القاهرة وسيناء خلال الأسابيع الأخيرة، فمرة أخرى تثبت صحة تحذيرات الدراسات الأمنية من عجز الحكومة المصرية عن استئصال العنف والإرهاب، بسبب استراتيجيتها القاصرة، والتي تركز على الحل الأمني من دون السياسي، وترتكب انتهاكات حقوقية كثيرة في سيناء والوادي، ما ينذر بعودة الإرهاب وتحوره وتطوره. وهنا تجب الإشارة إلى أن بعض المواجهات الأخيرة في سيناء تمت في منطقة بئر العبد في شمال وسط سيناء، وهي منطقة أقرب إلى قناة السويس مقارنة برفح وحدود مصر الشرقية. وهو ما ينذر باقتراب التهديدات الأمنية أكثر من قناة السويس وتحورها وانتشارها في مناطق جديدة.
وتتعلق الأزمة الرابعة بموارد المصريين المائية، حيث توقفت المحادثات الخاصة بسد النهضة وسرعة ملء خزانه وتشغيله منذ فبراير/ شباط الماضي. وعلى الرغم من الإعلان أخيرا عن العودة إلى المفاوضات الثلاثية، إلا أن تلك العودة لا تخفي تراجع البدائل المتاحة أمام الحكومة المصرية، خصوصا بعد رفض إثيوبيا الرعاية الأميركية للمفاوضات، وما نجم عنها، وإصرار إثيوبيا على التصرف بأحادية، وبدء ملء خزان السد في أوائل الشهر المقبل (يوليو/ تموز)، كل تلك العوامل سوف تضع مزيدا من الضغوط على الحكومة المصرية، لتحقيق نجاح ما في الملف الحيوي بالنسبة لمصر والمصريين.
شاءت الأقدار أن تتزامن الأزمات الأربعة في صيف العام الحالي، وهي أزماتٌ من النوع الثقيل،
خصوصا في ما يتعلق بتبعات وباء كورونا الصحية والاقتصادية، فأزمة 2009 الاقتصادية الدولية كانت من العوامل التي قادت إلى انتفاضة المصريين في 2011، بعد أن رفعت معدلات الفقر والبطالة بينهم، كما تزيد المواجهات المستمرة مع الجماعات الإرهابية في سيناء من مخاوف المصريين من فشل سياسات حكومتهم الأمنية، ولو بدأت الحكومة الإثيوبية في بدء ملء خزانات سد النهضة في يوليو قبل التوصل إلى اتفاق جماعي حول قواعد ملء السد وتشغيله، فسيمثل ذلك خسارة سياسية فادحة للحكومة المصرية في الداخل والخارج.
في المقابل، يتوقع أن تلجأ الحكومة المصرية لأساليبها المعتادة في التعامل مع الأزمات السابقة، وفي مقدمتها القمع ولوم المعارضة. ونظرا إلى أن المعارضة المصرية باتت في أضعف حالاتها، بسبب القمع العنيف المتواصل، وطبيعة الأزمات الراهنة غير السياسية أصلا، وكونها أزمات حقيقة لم تصطنعها المعارضة، فقد يطاول القمع هذه المرّة فئات مجتمعية غير مسيسة، كأسر المرضى والأطباء والفقراء والعاطلين عن العمل، وستتراجع قدرة الحكومة على لوم المعارضة، وسيزداد السخط الشعبي على السياسات الحكومية، وربما يلجأ بعض المتضرّرين للتظاهر الفردي أو الجماعي بشكل غاضب فوضوي، يفتقر لأي أفق سياسي بناء، بعد أن نجحت الحكومة في سحق قوى المعارضة السياسية السلمية، وهو ما يرشح مصر لشهور من الاحتقان والغليان المأزوم والاضطراب الفوضوي.