صفقات على الورق...15 مذكرة تفاهم بين السعودية وروسيا والنفط مؤجل

14 أكتوبر 2019
الصورة
سلمان خلال استقباله بوتين (فرانس برس)

 

عندما سئُل مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، في وقت سابق من هذا العام، حول ما إذا كان بإمكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استخدام دبلوماسية النفط ليحل محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أجاب: "إنني واثق جدا من أن جهود بوتين ستفشل".

أعاد السؤال نفسه، الإثنين، حينما بدأ الرئيس الروسي زيارة للمملكة العربية السعودية، للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات سعياً للاستفادة من النفوذ المتنامي في المنطقة والبحث عن تعاون أكبر في مجال الطاقة مع السعودية.

لكن المفاوضات التي جرت تظهر أن قطاع النفط مؤجل، حيث تمخضت المباحثات عن 15 مذكرة تفاهم في العديد من القطاعات بين الشركات السعودية والروسية، منها 9 مذكرات بين أرامكو وشركات روسية ليس بينها اتفاق نهائي، بينما جاء الاتفاقان الوحيدان في قطاع الكهرباء والطاقة، في حين حصلت 4 شركات روسية على رخص استثمارية لمزاولة الأعمال في المملكة، في مجالات البناء والتطوير العقاري وتقنية المعلومات والاتصالات والاستشارات الإدارية والهندسة المعمارية.

وجرى التوقيع على مذكرات التفاهم خلال فعاليات المنتدى الروسي السعودي لرجال الأعمال، على هامش زيارة بوتين إلى الرياض، فيما جمع المنتدى أكثر من 300 مشارك، وضم مدراء ورؤساء كبريات الشركات من البلدين، وحضره أكبر وفد من رجال الأعمال الروس وأكثرهم تمثيلا في تاريخ العلاقات بين موسكو والرياض. وتمت مناقشة مختلف مجالات التعاون، مثل الطاقة والاستثمار والتنمية الزراعية المستدامة والأمن الغذائي العالمي.

وجرى تنظيم المنتدى تحت إشراف صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي، والهيئة السعودية العامة للاستثمار، والمركز السعودي للشراكات الاستراتيجية الدولية.

وفي حين توجهت الأنظار إلى إنتاج النفط في ظل المساعي السعودية الدؤوبة لحث المنتجين الكبار على خفض الإنتاج من أجل دفع الأسعار للصعود، قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، الإثنين، إنه لا توجد محادثات حالية لتعديل الاتفاق العالمي لإنتاج النفط الذي تخفض بموجبه أوبك والمنتجون من خارجها الإنتاج لدعم الأسعار.

وأبلغ نوفاك الصحافيين أثناء زيارته للسعودية بأن موسكو ملتزمة بالكامل بالاتفاق، في حين قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان إن جنوب السودان ستعلن خلال الأيام المقبلة التزامها بتخفيض الإنتاج، وتقول الغابون أيضا إنها ستمتثل بالكامل، مضيفا أن الأسعار العادلة هي الأسعار المستقرة.

ويدعو الاتفاق بين أوبك وروسيا ومنتجين آخرين من خارج أوبك إلى خفض الإنتاج بواقع 1.2 مليون برميل يوميا حتى مارس/ آذار 2020 وسط توقعات بفائض في الإمدادات العام المقبل.

وتوقع وزير الطاقة السعودي أن يبلغ إنتاج المملكة في كل من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري ونوفمبر/ تشرين الثاني المقبل 9.86 ملايين برميل يومياً، لافتا إلى أن حجم صادرات السعودية اليومية من النفط يبلغ ما بين 6.9 و7 ملايين برميل يوميا.

ويبدو أن الاتفاق على خفض إنتاج النفط لن يكون سهلا، وفق محللين في قطاع الطاقة، حيث تبدي روسيا تحفظاً، فموسكو تحتاج إلى أسعار تراوح بين 45 و50 دولاراً للبرميل لتحقيق التعادل في ميزانيتها، بينما تحتاج الرياض إلى أكثر من 86 دولارا للبرميل.

ففي تقرير لإدارة البحوث في شركة الراجحي المالية السعودية، فإن موازنة المملكة للعام الجاري تحتاج أن يبلغ متوسط سعر النفط 84 دولاراً للبرميل لتحقق التوازن، بينما سجلت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت تسليم ديسمبر/ كانون الأول المقبل نحو 57.6 دولارا للبرميل، بينما دار خلال الفترة الماضية من هذا العام حول 60 دولاراً للبرميل في المتوسط.

وتوقع البنك الدولي في تقرير له مطلع العام الجاري، أن يبلغ متوسط أسعار النفط 67 دولارا للبرميل العام المقبل، 2020، متأثرا بتوقعات تراجع النمو العالمي في ظل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين والتي يرجح اتساع نطاقها لتمتد إلى أوروبا أيضا.

ويساهم النفط بنحو 70 في المائة من إيرادات المالية العامة، وأكثر من 40 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وحوالي ما يقرب من 80 بالمائة من الصادرات.

وأضحى الوضع المالي للسعودية حرجاً، في ظل توقعات قوية بتزايد العجز المالي وارتفاع معدلات الاستدانة، خلال الأشهر المقبلة، من أجل تدبير احتياجاتها التمويلية، وذلك بعد الهجمات المتكررة على منشآت النفط، وآخرها هجوم الحوثيين في 14 سبتمبر/ أيلول الماضي على منشأتين رئيسيتين في شرق المملكة، ما أدى إلى فقدان نحو نصف إنتاج النفط بواقع 5.7 ملايين برميل يومياً.

وفي تقرير لوزارة المالية، اطلعت عليه "العربي الجديد"، اتضح أن الديون الحكومية قفزت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الخمس الأخيرة، لتصل بنهاية يونيو/ حزيران 2019 إلى 627.8 مليار ريال (167.4 مليار دولار)، مقابل 44.3 مليار ريال (11.8 مليار دولار) بنهاية عام 2014.

ووفق التقرير، فإن الدين المحلي بلغ خلال منتصف العام الجاري 344.7 مليار ريال، بينما سجل الدين الخارجي 283.1 مليار ريال (75.5 مليار دولار).

ولم يكن التراجع الحاد في أسعار النفط منذ نهاية 2014، هو السبب الوحيد في العجز المالي للمملكة ولجوئها إلى السحب بشراهة من احتياطي النقد الأجنبي والاستدانة، وإنما كانت لكلفة الحرب في اليمن المستمرة منذ 2015 وحصار قطر المفروض منذ الخامس من يونيو/ حزيران 2017، تداعيات أكثر إرهاقا للوضع المالي للمملكة، وفق المحللين الاقتصاديين.

ومنذ أن دخلت تخفيضات إنتاج أوبك+ عامها الثالث، بعدما كان من المقرر أصلاً أن تستمر لمدة ستة أشهر أواخر 2016، أبدت موسكو أخيرا حماسة أقل لخفض الإنتاج، وفق تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية في وقت سابق من العام الجاري.

ورغم التقارب الملفت بين موسكو والرياض، حليفة الولايات المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، حيث زار الملك سلمان بن عبد العزيز روسيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، في زيارة كانت الأولى من نوعها في تاريخ المملكة، إلا أن البلدين لم يشهدا صفقات ملفتة منذ ذلك الحين.

ووقعت روسيا والسعودية في أكتوبر/ تشرين الأول 2017 اتفاقاً يمهد لشراء أنظمة صواريخ روسية مضادة للطائرات من طراز إس-400، غير أن الصفقة لم تتم في نهاية المطاف، إذ اختارت المملكة شراء أنظمة صاروخية أميركية.

ولا ينظر محلل كبير في قطاع الطاقة بأحد صناديق الاستثمار التي تتخذ من دبي مقرا لها، بتفاؤل كبير بشأن تمخض التقارب الحالي عن صفقات كبيرة على الأرض، لا سيما في قطاع النفط السعودي، الذي تسيطر عليه الشركات الأميركية بلا منازع منذ عقود طويلة.

وقال المحلل المالي: "رغم التقدم الذي أحرزته الولايات المتحدة في مجال إنتاج النفط واقترابها من الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط، إلا أنها لن تسمح للروس بأن يظهروا في المعادلة، عبر دخول شركات روسية في إنتاج النفط السعودي".

في المقابل، يبدو أن الروس متحمسون بالفعل لاستغلال الظروف الحالية، التي تشهد فيها السعودية صعوبات كبيرة، تمثلت في ظهور إخفاقات في الدفاع عن منشآتها النفطية أمام ضربات جماعة الحوثي في اليمن، وعدم القدرة بعد على تنويع اقتصادها رغم الرؤية الطموحة التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل نحو ثلاث سنوات لتحقيق هذا الهدف.

وقال رئيس صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي كيريل دميتريف للصحافيين، أمس، إن هناك عددا من المستثمرين الروس مهتمون بالمشاركة في الاكتتاب العام لشركة النفط الحكومية السعودية "أرامكو".

وقال المسؤول الروسي الذي يرافق الرئيس فلاديمير بوتين في زيارته للسعودية: "في الأساس لدى روسيا الكثير من القدرات للاستثمار بكثافة في أرامكو، وبسبب ذلك، فإن عددا من المستثمرين الروس لديهم مصلحة في هذا الاكتتاب العام".

ومن المرجح أن تطلق السعودية في وقت لاحق من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، الاكتتاب العام في أرامكو، وفق وكالة بلومبيرغ الأميركية.

وتعتزم السلطات السعودية إجراء الاكتتاب العام في أرامكو أولا في بورصة محلية ثم على منصة أجنبية، ووضعها في إطار مشترك، وبالإجمال تنوي السعودية طرح 5 بالمائة من أسهم الشركة.

وقال رئيس مجلس إدارة أرامكو ياسر الرميان، أمس الإثنين، إن الطرح العام الأولي للشركة المنتجة للنفط المملوكة للدولة سيتم إعلانه "قريبا جدا جدا".