صراع المغرب والبوليساريو: تبدل خريطة المواقف الدولية يخدم المغرب

07 مارس 2018
الصورة
عقد كوهلر محادثات سابقة مع البوليساريو والجزائر(رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -
يعود ملف نزاع الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى واجهة الأحداث من جديد، مع بدء مباحثات، أمس الثلاثاء، بين وفد مغربي يقوده وزير الخارجية ناصر بوريطة، ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء هورست كوهلر، وذلك بعد أن انتهت جولات المباحثات بين كوهلر ووفود البوليساريو والجزائر وموريتانيا. لقاء الوفد المغربي مع المبعوث الأممي، وبخلاف اللقاءات مع وفود باقي الأطراف التي جرت في العاصمة الألمانية برلين، يجري في مدينة لشبونة البرتغالية، وبفارق زمني كبير على أجندة لقاءات كوهلر مع وفد جبهة البوليساريو في 25 و26 يناير/ كانون الثاني الماضي، ووفد موريتانيا في 28 يناير، ثم وفد الجزائر في 15 فبراير/ شباط الماضي.

ويطرح مراقبون تساؤلات حول اختلاف المكان والزمان في مباحثات المبعوث الأممي مع الوفد المغربي مقارنة مع باقي وفود الأطراف المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر بنزاع الصحراء، إذ إن باقي الأطراف أجرت المباحثات في أوقات متقاربة بين يناير وفبراير، وفي مدينة برلين، بينما اختار المغرب أن يجري اللقاء متأخراً بوقت ليس بقليل، وفي مدينة لشبونة.
ويبدو أن الدبلوماسية المغربية من خلال "فرضها" توقيت وحتى مكان اللقاء مع كوهلر، في مدينة أخرى غير برلين التي أعلن عنها المبعوث الأممي قبل أسابيع قليلة لتحتضن اللقاءات الثنائية مع كل وفد على حدة، أرادت أن تُظهر أن اللقاءات ليست مفاوضات مباشرة مع البوليساريو كما تم الترويج لذلك أكثر من مرة، لهذا تم اختيار لشبونة مكاناً لعقد المحادثات مع كوهلر بدل برلين التي شهدت حضور البوليساريو.

وتتبدّل مستجدات ملف نزاع الصحراء من حين إلى آخر، بين مؤيدي الحل الذي تقدّمت به المملكة المغربية عبر إرساء حكم ذاتي موسع للإقليم، ومناصري طرح جبهة البوليساريو المنادية بانفصال الصحراء عن سيادة المغرب، مع ملاحظة أن خريطة المؤيدين تغيرت أخيراً لصالح الطرح المغربي، من خلال سحب بلدان عدة تأييدها الواضح للبوليساريو، فضلاً عن محاولة الرباط اقتحام الملعب الخاص بالدول التي تؤازر مطالب الجبهة.

ويمكن إجمالاً تقسيم خريطة المواقف الدولية حيال ملف الصحراء إلى ثلاثة رئيسية، غير أنه أحياناً تتفاوت المواقف حسب المصالح والتحركات الدبلوماسية. الأول قسم يناصر بشكل كامل الحل المغربي، بينما القسم الثاني يؤيد بشكل أعمى الطرح الانفصالي للبوليساريو، وثالث يبقى غير واضح المعالم، تارة يعلن دعمه لوحدة المغرب الترابية، وتارة يعلن وقوفه وراء مطلب تقرير المصير.

ويمكن تحديد البلدان التي تدعم مطالب جبهة البوليساريو بشكل ثابت، في حوالي 35 بلداً تتوزع بين القارات الأفريقية والآسيوية وأميركا اللاتينية والكاريبي، بعد أن كان العدد يقارب 70 بلداً مؤيداً للبوليساريو، بينما يغيب أي بلد في القارة الأوروبية يدعم صراحة جبهة البوليساريو، بالنظر إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية والتاريخية المتشابكة بين المملكة وعدد من أقوى بلدان القارة العجوز.


في القارة الأفريقية، تبقى الجزائر أقوى وأكبر داعم مستقر وثابت لإنشاء جمهورية صحراوية في جنوب المملكة، وهو ما تنبّه إليه المبعوث الأممي إلى الصحراء باستدعاء الوفد الجزائري باعتبار أنه معني بشكل أو بآخر بنزاع الصحراء، فضلاً عن حدود الجزائر مع جارته المغرب. ويرى مراقبون أن الجزائر رفعت لواء مناصرة ما تسميه "حق الشعب الصحراوي" في الاستقلال، منذ اندلاع أزمة الصحراء في 1975، إذ احتضنت مخيمات تندوف، المقر الرسمي للبوليساريو، كما يدعم الجيش الجزائري بقوة طرح انفصال الصحراء، على الرغم من نفي الحكومة أن تكون طرفاً في النزاع، بقدر ما هي مفتاح للحلّ.

وفي القارة الأفريقية أيضاً، تبرز دول أنغولا وبوتسوانا والموزمبيق وناميبيا وجنوب أفريقيا كمؤدية لطرح انفصال الصحراء، وفي آسيان يمكن ذكر كوريا الشمالية وكمبوديا وتيمور الشرقية وفيتنام التي تؤيد الجبهة بالنظر إلى خلفيات أنظمتها الاشتراكية، وفي أميركا اللاتينية هناك كوبا وفنزويلا وسلفادور وباربادوس وبوليفيا وكوبا وبلدان قليلة أخرى.
في المقابل، يحظى الحل المغربي المقترح لحل نزاع الصحراء، بتأييد واضح من قِبل القوى الدولية الكبيرة، خصوصاً في أوروبا، وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا وإيطاليا، كما يجد نوعاً من "الموافقة" من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا التي كانت إلى وقت قريب ترجح الطرف الآخر في النزاع.

وفي أفريقيا استطاع المغرب خلال السنوات القليلة الأخيرة، أن يكسب دعم عدد من الأصوات داخل منظمة الاتحاد الأفريقي التي باتت تدعم الرؤية المغربية لحل نزاع الصحراء، كما تشكل بلدان مثل ساحل العاج والسنغال والغابون ومالي وغيرها، الدعامة الأفريقية الرئيسية الداعمة للوحدة الترابية للمملكة.

أما القسم الثالث في خريطة الاصطفافات الدولية حيال ملف الصحراء، فيتضمن بلداناً كانت تؤيد البوليساريو في إنشاء "جمهورية صحراوية"، وأغلبها من أفريقيا وأميركا اللاتينية، غير أنها جمّدت هذا الدعم، أو اختارت الصمت والابتعاد عن إبداء مواقف واضحة، في خضم "اختراقات دبلوماسية" يقوم بها المغرب في ملاعب البلدان المناصرة للجبهة.
جنوب السودان على سبيل المثال اعترفت بجبهة البوليساريو في 9 يوليو/ تموز من سنة 2011، ولم تسحب اعترافها بعد مثلما فعلت بلدن أفريقية أخرى، مثل بنين في 1997 وغينيا بيساو في 2010 وزامبيا في 2013، لكنها على الرغم من ذلك بدأت تميل نحو تجميد هذا الاعتراف، خصوصاً بعد زيارة العاهل المغربي محمد السادس إلى جنوب السودان ودعمه لها باستثمارات اقتصادية كبيرة بلغت أكثر من 5 ملايين دولار.
وكان لافتاً أن جنوب السودان أعلنت بعد زيارة العاهل المغربي أن "مسألة الصحراء مختلفة في تركيبتها وطبيعتها القانونية والسياسية عن قضية جنوب السودان"، وأن جوبا تدعم "جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي لهذا الخلاف الإقليمي حول الصحراء". لكن جوبا لا تزال تستضيف حتى اليوم سفارة تمثّل الجبهة منذ سنة 2014.

موقف جنوب أفريقيا الداعم منذ سنوات لجبهة البوليساريو، بات أيضاً موضع تململ وتأرجح، بعد أن كانت هذه الدولة الأفريقية إلى جانب الجزائر ونيجيريا، من أكبر داعمي "تحقيق المصير" لسكان الصحراء، قبل أن تأخذ مواقف كل من جنوب أفريقيا ونيجيريا نحو التحوّل تدريجياً. وإذا كانت نيجيريا التي اعترفت بالبوليساريو سنة 1984، قد وضعت يدها في يد المغرب من خلال زيارات متبادلة بين زعيمي البلدين، واستثمارات اقتصادية ضخمة ضختها الرباط في أبوجا، واتفاقات ثنائية هامة أجراها الطرفان، أهمها اتفاقية أنبوب الغاز، فإن جنوب أفريقيا آخذة في "تغيير" موقفها التاريخي من ملف الصحراء. هذا التململ الذي ضرب مساندة جنوب أفريقيا الثابتة لجبهة البوليساريو في كل المحافل القارية والدولية، ظهر منذ اللقاء الذي وُصف بالتاريخي بين الملك المغربي محمد السادس والرئيس المتنحي أخيراً جاكوب زوما، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي على هامش القمة الخامسة للاتحاد الأفريقي - الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من استقالة زوما في فبراير/ شباط الماضي من رئاسة جنوب أفريقيا، إلا أن الرباط تترقب تطبيق ما تم الاتفاق حوله في لقاء زوما والملك على أرض الواقع، خصوصاً "الحفاظ على اتصال مباشر والانطلاق ضمن شراكة اقتصادية وسياسية خصبة، من أجل بناء علاقات قوية ودائمة ومستقرة، والرقي بإطار التمثيل الدبلوماسي من خلال تعيين سفيرين من مستوى عالٍ، في كل من الرباط وبريتوريا".

المساهمون