صدقي صبحي رئيساً للجمهورية!

صدقي صبحي رئيساً للجمهورية!

23 ديسمبر 2014
الصورة
+ الخط -
"طب والله لايقة عليه البدلة"، كتب صديق معلقاً على صورة وزير الدفاع، صدقي صبحي، متوجهاً بالبدلة المدنية إلى إيطاليا، للقاء وزيرة دفاعها، ليعلق صديق آخر "وكمان بزبيبة ومنوفي يعني مستوفي الشروط"، ويضع صديق ثالث صورة مجمعة تسخر من التطابق المدهش بين "حركات" السيسي وصدقي، من الجري وسط الجنود بالملابس العسكرية، إلى ركوب العجلة بالملابس الرياضية، إلى ملاطفة المواطنين الذين يحبون من يحنو عليهم ويقتل خصومهم، ليعلق أكثر من صديق بتعبيرات مختلفة، يتشابه مضمونها الحزين: "شكلها هترسى على كده في الآخر".
ذكّرني ذلك بما حدث بعد تصاعد حُمّى التوريث في أواخر عهد مبارك، حين ظهرت على بعض حوائط القاهرة بوسترات "عمر سليمان رئيساً للجمهورية"، فأرغت العائلة الحاكمة وأزبدت، وكاد عمر سليمان أن يطير فيها، لولا إثباته أن البوسترات كانت ملعوباً قام به عدد من الناشطين السياسيين، لإغاظة الوريث، وتحريك المياه الراكدة، لكن المفارقة أن براح القاهرة، المخنوق الآن، لم يعد يتحمل حتى حركة عبثية، مثل رفع شعار "صدقي صبحي رئيساً للجمهورية" علناً، فقد باخ كل شيء، بعد انتقال البلاد من مرحلة المياه الراكدة إلى مرحلة الدماء الجارية.
الحقائق المؤسفة لا يحتاج إعلانها إلى بوسترات. لذلك، يدرك كل من لا يحب خداع نفسه أنه بسبب القتل المُمنهج للسياسة، وبفضل المصادرة المدعومة بالأمن والقضاء لمجالات العمل الأهلي والنقابي والطلابي وببركات التأميم الفج لوسائل الإعلام الجماهيرية، لم تعد مشكلة مصر تنحصر في شخص السيسي، لأن السلطة ستظل ملقاة في "حِجر" أعلى رتبة عسكرية، بعد أن ساهم كل السياسيين، وأغلب المثقفين، في اعتماد الشعب منطق "البلد محتاجة حد يشكمها"، وهو منطق لن يتغير، إلا بعد أن يثبت الواقع خطله وهطله، فيدرك المواطن أن السياسة ليست رفاهية، يمكن الاستغناء عنها، وأن مصالح دولة اللواءات تتعارض بالضرورة مع مصالحه في حياة حرة كريمة عادلة.
وحتى يعُمّ ذلك الإدراك، سيبقى الكل ينتظر سماع صوت صاحب السلاح، بما في ذلك جماعة "الإخوان" التي تُشكّل قوة المعارضة المنظمة الوحيدة، ولعلك إن تابعت أداء أغلب أنصارها على مواقع التواصل الاجتماعي، ستجد ألسنتهم تلعن حكم العسكر، في حين تهفو قلوبهم إلى كل "فَتية" تبشر بانشقاق عسكري، يقوده ضابط من ماركة "مؤمن آل فرعون"، يعيد محمد مرسي إلى منصبه، ويبكي خلفه وهو يصلي العصر، وهي طريقة تفكير ليست غريبة على من يظنون أن اجتماعات فندق "تايتانيك" ستنقذ جماعتهم الغارقة، ولا على من فاتهم الاقتداء بأردوغان في مرحلته العاقلة المنجزة، لتصبح مرحلة جنون العظمة التي يعيشها الآن، جوهر حلمهم الذي يتحسرون على عدم تطبيقهم له في مصر.
وعلى هامش كل ذلك، لم يعد أمام المواطن الذي اختار "التفويض على الناشف"، إلا أن يضبط حركته دائماً على إيقاع السلطة، ليرقص على أنغام المصالحة، مثلما رقص من قبل على أنغام "افرم يا ريس"، وليلعن مع السيسي "مبارك اللي خرب البلد"، بعد أن هتف مع أذرع السيسي الإعلامية ضد "مؤامرة يناير"، وليبارك عودة أميركا إلى موقع حامل اللعبة، بعد أن كانت في موقع العدو اللدود، من دون أن يطلب تفسيراً لذلك، أو يسأل حتى لماذا تم، إرضاء لخاطرها، وكرمى لطائرات الأباتشي، وببركة الوساطة الأردنية، الإطاحة برئيس المخابرات العامة السابق الذي وصل إلى منصبه الخطير، برغم اتهامه رسميّاً بالتستر على قضايا فساد، أثبتها ضابط الرقابة الإدارية، المقدم معتصم فتحي. وللأسف، لن تستطيع أن تلوم المواطن العادي على انسحاقه، إذا كانت الغالبية الأعمّ من المثقفين والسياسيين قد تنازلت، مجاناً، عن مساحات سياسية وإعلامية كثيرة، لتوافق على البقاء الأبدي في دور صديق البطل وحامل الفوطة.
هو، للأسف، مستنقع آسن، تردّت فيه مصر باختيار أغلبية نُخبتها وجماهيرها، ولا مخرج منه إلا أن تجد الأجيال الشابة التي جمعها حلم ميدان التحرير طريقاً لتجاوز ذلك الحلم، بكل ما رافقه من أساليب التظاهر والاعتصام والهتاف، ليصبح همّها الأكيد وحلمها الوحيد تشكيل كيانات سياسية منظمة، تبتكر حلولاً نابعة من خيالها الجديد، لتجمع حولها رجل الشارع الذي ستعلمه التجارب، وحدها، أن مصلحته تتعارض مع مصالح الذين يحلمون ببلاد "مشكومة" فقط، لكي يواصلوا نهبها، ليدرك أن خلاص مصر لن يكون إلا بالخروج من ثنائية حكم الدولة العسكرية، وحكم تيارات الشعارات الإسلامية، لأن من كان سبباً في الأزمة لا يمكن أبداً أن يكون جزءاً من الحل.
يدّينا ويدّيك طولة الأمل وطاقة العمل.