صدر قديماً: "اليوم الأخير".. ماذا ننقذ من بيت يحترق؟

23 سبتمبر 2019
الصورة
(من بيت ميخائيل نعيمة)

تُثير المُدوّنة القصصية للكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة (1889 - 1988) سؤالاً مُزدوجاً حول توظيف كلٍّ من الشكل التعبيري والمضمون الدلالي الذي يحمله؛ فكلاهما منشدٌّ، في هذه المدونة، إلى سجلٍّ أخلاقي، بعضه متأصّلٌ في الرؤى المسيحية للألوهة والكون والإنسان، وبعضه منحدرٌ من فلسفة التناسخ وفكرة العود الأبدي وتطهير الأرواح من "الخطيئة" (catharsis) عبر التأمُّل والتنسُّك والارتقاء في مدارج العرفان.

ومن نماذج هذا التداخل الدقيق، الذي يتخفَّى طيَّ المنطق السردي وأساليب الحَكْي وأدواته المعجمية والحوارية، رواية "اليوم الأخير" التي كَتَبها "ناسك الشخروب" سنة 1965. وفيها يصوّر تجربة أستاذ فلسفةٍ يُدعى موسى العسكري (ولنلاحظْ هنا اختيارَ اسم البطل المحوري وإحالته على إمامٍ من الأئمة الاثنَي عشرية) الذي تَناهى إلى سمعه، منتصفَ الليل، صوتٌ يهيبُ به: "قُمْ، وَدِّع اليومَ الأخير!"، فيستفيق فزعاً ويتساءل عن مصدر ذلك الصوت ومُؤدّى هذا الطلب. وفي غمرة حَيرته، يبدأ البطلُ في تأمّل أطوار حَياته الممتدّة على سبعٍ وخَمسين سنةً. وفي صورةٍ تُلخّص هذه الوضعية الوجودية الحاسمة، بَدت الشخصيّة مثلَ رجلٍ يقف أمام منزله الذي يَحترق: وعليه أن يميّزَ، أمام اللَّهَب المتطاير، بينَ ما كان يَعتبره أساسياً قبل اندلاع النار وبَين ما هو ضروريّ حقّاً، حتى ينجوَ به دون غيره، قبل أن يتحوّل الكلّ إلى رماد.

وبينما هو كذلك، تدخل عليه خادمتُه وتسأله عن سبب تغيُّر حاله، وفي خضمّ حوارهما يسألها: "أمَّ زيدان! أتعرفين ما هو الموت؟" فتردُّ عليه: "الموت هو الموت يا ابني". وفي هذا الوضْع الوجودي، الواقع على حافة الوجود والعَدم، الموت والحياة، الفَناء والبقاء، يَروي نُعيمة سيرَة هذه الساعات الأربع والعشرين الأخيرة التي هي مَدار الكتاب: تمرُّ الأحداث على محكّ الموت، ليتّضِح الفرقُ بين الزائف والأصيل في حياة الناس. فهل المضمون العميق، في "اليوم الأخير"، مجرد مَوعظة مُقَنَّعَة، كُتبت بأسلوب قصصيٍ لتندُبَ الناس إلى التأمُّل؟

تبدو مقوّمات الحبكة القصصية مُوظفةً لهذه الغاية البعيدة، ومن ذلك البِنية الزمنيّة: فقد قُسِّم الكتاب إلى أربعةٍ وعشرين فَصلاً، بعدد ساعات اليوم. وصارت المقاطع السردية تتطوّر على إيقاع التأمُّلات والأفكار التي تتوالد، حول الحياة والموت، كلّما انقضت من النهار ساعةٌ نحو المَغيب. وهذا التقسيم آلية فعّالة تُمكّن من تَسريع الأحداث وبناء الشخصيات وتحريك الزمن في ذات الآن، ربما في ترميزٍ إلى جريان نَهر الحياة وعودِهِ نحو ينابيعه الأولى، ثمّ انبجاسه من جديد في دورةٍ أبدية دائمة.

وأما أسلوب نُعيمة في هذا الكتاب فهو أسلوبه في كل ما كَتب: ثورةٌ عارمة على الصور البيانية المُستهلَكة وقطيعةٌ مع المحسّنات البديعية المتوارَثة، فضلاً عن ابتكار علاقات جديدة بين الكلمات والمجازات، لم تتعوّد عليها الذائقة التقليدية. فقد نهل الرجلُ من الرومانسية الغربية ومن الواقعية الروسيّة بالإضافة إلى مَصادر فلسفية ودينية انتقائيّة (هندية وغيرها)، وجلّها يتقاطع مع التعاليم المسيحية التي عَرفت، إبان حركة النهضة العربية، عملية إحياء لغوية كُبرى تَجلّت في توفُّرها على معجمٍ مبتكرٍ، بفضل ما بذله البَساتنة وآل اليازجي من تَرجمة للأناجيل وتَطويرٍ لصيغ الصلوات والبشارات.

ويمكن أن تشكّل هذه الحقول الدلالية سجلّاً ذاتياً، خاصّاً بصاحب "سبعون". وهو ما يعني، في المستوى الأسلوبي، حضورَ قطاع معجمي يتغذّى من الإحالات الإنجيلية التي قد لا يَفهمها مَن ليس له إطلاع على "الكتاب المقدس" بعهدَيْهِ، لأنها ترتبط بمرجعيات ذهنية تُصطرف عبر آلية التناص. ومن أمثلة مفرداتها المتواترة: "كِرازة، خَطيئة، تقمّص، حِبْر، ج. أحبار، مَلكوت، أزل، أبد..."، وهو سجلّ دالٌّ على "الروحانية المشرقية" بما هي مزيجٌ من عقائد التناسخ والإطلاق ودونية الجسد وعرفانية القلب... عقائد استُدعيت، ضمناً أو صراحةً، في ثنايا جُمل "اليوم الأخير" فأغنت النصّ وغذّت السرد وأعطته وحدته العضويّة.

ولئن عرف جبران شهرة عالمية وبقي نُعيمة أقرب إلى البيئة اللبنانية وبعض الأوساط العربية، فقد يرجع ذلك إلى هذه الخيارات الشكلية والمضمونية التي شَدّته إلى قارئه- الضمني (والمفهوم للسيميولوجي والروائي الإيطالي إمبرتو إيكو)، والذي يُفترض أن يعرف هذه المرجعيات وأن يتجاوب مع الرسائل الروحية التي يَحملها، بل وأن يُفككّ شفرات النص ومبانيه من خلالها، الأمر الذي حَرم الكاتب، ربما، من الانفتاح على جمهور أوسع.

وعلاوةً على ذلك، يُؤخذ على النص ضعفُ بعض المقاطع الحوارية فيه، ولا سيما الجُمل التي صيغت على لسان الخادمة، أم زيدان، والتي اتّسمت بسذاجتها المطلقة ومثالية تدخّلاتها، والتي رَسمتها ريشة نُعيمَة في صورة "المساعد" المتفاني في خدمة ولده القعيد. ويُؤخذ عليه أيضاً استخدام السجل اللاهوتي، الأقرب إلى التراث الديني منه إلى الفلسفات الأخلاقية، مع أنّه حاول استخدام مفرداتٍ منفتحة على كل التيارات، واجتهد ألّا يصدم القارئ بعبارات طائفية.

تظلُّ رواية "اليوم الأخير" مُنشدة إلى المضمون الروحي. الأولوية فيها كانت للرسالة على حساب الشكل، وللمؤدّى الأخلاقي على جماليّة البناء السردي وحُريته. يحثّنا صاحبُ "من وحي المسيح" على أن نعدَّ ليومنا الأخير وأن نتأمّل جريان نَهر حياتنا. أليس هذا جوهر خطاب الدين، كلّ الأديان؟

دلالات