شهادات ضحايا الانتهاكات: تونس تعيد كتابة تاريخها

25 نوفمبر 2016
الصورة
أسئلة حول نشطاء قُتلوا ولم تسلم جثثهم(فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
أثارت اعترافات ضحايا الانتهاكات في أولى جلساتها، الساحة السياسية والشعبية في تونس، وأعادت طرح أسئلة الثورة الأولى حول مسؤولية الأنظمة السابقة على مدى خمسة عقود في الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وقاد إلى احتجاجات الثورة.
ومع أن مسألة الوضع الاقتصادي والاجتماعي مرجأة إلى حين فتح ملفات "الجهة الضحية" التي تقدّمت بها عدد من المحافظات التونسية لهيئة الحقيقة والكرامة، فإن الجلسات الأولى فتحت النقاش على مصراعيه، بسبب ما كشفته من حقائق صادمة حول تاريخ الانتهاكات ومسؤولية نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ما أثار دهشة فئات واسعة من التونسيين، فتحوا أعينهم على ما كان يحدث في السجون والمعتقلات.

هذه الاعترافات التي تناولت حقبات تاريخية مختلفة، بدأت مع الاستقلال، أعادت فتح الحوار على مدى الأيام الماضية في خصوص أحداث كثيرة لم تظهر حقيقتها بعد للتونسيين، غير أن ما أثارته من ردود فعل حتى الآن يقود إلى الاعتقاد بأن عجلة إعادة كتابة التاريخ الحديث لتونس قد انطلقت فعلاً، وربما تنجح في مسعاها إذا تواصل كشف الحقائق مجردة من الحسابات السياسية، وإذا خرج شهود العيان والمسؤولون في هذه المراحل عن صمتهم، وتوجهوا فعلاً بنيّة صادقة في إعادة كتابة تاريخ البلاد. 
ويبدو أن الجلسات قد نجحت بالفعل في هذا الاتجاه، إذ قام عدد من رموز النظام السابق بتوضيح بعض الملابسات التي أحاطت ببعض الأحداث الهامة في تونس، ولعل أبرزها ما يُعرف في تونس بأحداث "باب سويقة" التي شكّلت النقطة الفاصلة في المواجهة الأمنية بين النظام وحركة "النهضة"، وكانت لها تأثيرات بالغة على مصير الحركة ككل، أدت إلى انقسامات داخلها من جهة، وإلى حملة الاعتقالات والسجن التي طاولت آلافاً من قياداتها وأعضائها من جهة أخرى.

وقعت أحداث الحي الشعبي "باب سويقة" في شهر فبراير/ شباط من عام 1991، عندما قام شباب من الحركة بحرق مقر الحزب الحاكم في المنطقة (العاصمة تونس)، وكان داخله حارسان، ما دفع نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى إعلان الحرب على "النهضة"، ما أدى إلى نفي جزء من قياداتها وسجن البعض الآخر، بالإضافة إلى انتهاكات لحقت بأعداد هائلة من الحركة وأدت إلى تقطيع أوصالها بشكل كامل. وكان النقاش يدور طيلة هذه السنوات حول ما إذا كانت قيادات "النهضة" اتخذت ذلك القرار أم لا، وإذا ما كانت المواجهة انتقلت من طورها السياسي إلى اعتماد أسلوب العنف كخيار استراتيجي في مواجهة النظام بغاية إسقاطه، وهو ما كان يردده النظام باستمرار لتبرير ضرب كل ناشط بالحركة من قريب أو بعيد.

الجديد في هذا الملف، هو ما أثاره أحد القيادات الأمنية البارزة في نظام بن علي، كاتب الدولة للأمن الوطني الأسبق محمد علي القنزوعي، الذي استبعده النظام قبل سنوات من الثورة، مؤكداً أن حادثة باب سويقة لم تكن ضمن خطة حركة "النهضة" أو بتعليمات من قيادتها وأنها نتاج ما يُعرف بـ"تحرير المبادرة". وأضاف القنزوعي، في شهادة تاريخية، أنه لا وجود لإثباتات تؤكد تعمّد مقترفيها حرق حارس لجنة تنسيق التجمّع في باب سويقة. ولكن النظام استغل الحادثة لشن حملات أمنية واسعة ضد النهضويين، وإعدام ثلاثة من نشطاء الحركة. وتبدو هذه الشهادة على درجة كبيرة من الأهمية، تاريخياً وسياسياً، فهي تلتقي مع تأكيدات قيادات الحركة بعد الثورة، بأن بعض أبنائها ربما قاموا تحت وطأة الملاحقة البوليسية وتضييق الخناق عليهم ببعض الأخطاء ومن بينها باب سويقة، ولكنها تبقى مبادرات فردية لم تخطط لها القيادة، مع أنها ترافقت مع أحداث عدة مماثلة في عدد من المناطق.


لكن هذه الشهادة أيضاً، جاءت بالصدفة، لترد على بيان لبن علي، مباشرة بعدها، حول شهادات ضحايا الانتهاكات، ادعى فيه أن البلاد مرت خلال فترة حكمه بمراحل دقيقة واجهت الدولة خلالها تحديات أمنية ومخاطر حقيقية لم يصطنعها ولم يضخم منها أو يبالغ فيها، مضيفاً أنه "يترك للمؤرخين النزهاء مهمة الخوض في تفاصيلها وكشف خفاياها". وشدد على أن الدولة التونسية بأجهزتها الأمنية كانت خلال فترة حكمه أحياناً "في مواجهة أجنحة سرية وعسكرية لتنظيمات حزبية تدّعي العمل في العلن، وفي أحيان أخرى كانت تواجه تنظيمات سياسية اختارت العمل خارج الشرعية والقانون ومارست العنف وحرضت عليه". واعترف البيان بأن "مواجهة هذه التنظيمات السياسية من الممكن أن تكون قد أدت إلى تجاوزات مست بحقوق الإنسان"، مذكّراً الرأي العام التونسي وكل الباحثين عن الحقيقة والإنصاف أنه لم يتردد في الاعتراف بذلك لحظة الحصول على المعلومة بخصوص هذه التجاوزات، مشيراً إلى أنه قد بادر حينها إلى إرسال لجنة مختصة في البحث في خصوص هذه التجاوزات وكلف حينها الرشيد إدريس الذي تولى الإشراف على هذه اللجنة الذي جاء تقريرها مفصلاً بخصوص الانتهاكات التي أشار إليها المشاركون في جلسات الاستماع، وأمر بنشر كافة تفاصيل تقرير اللجنة في صحيفة "الصباح" لقطع الطريق أمام من يتهم نظامه آنذاك بالتعتيم والتغطية. وأشار إلى أن التقرير سجل صحة الانتهاكات وحدد المسؤوليات وأذن بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن ذلك.

وفي خصوص جلسات الاستماع للضحايا، قال البيان إن "تقديم هذه الشهادات في جلسات الاستماع بالطريقة التي شاهدها من دون تقديم الرواية المقابلة للأحداث، يحوّل هذه الجلسات إلى عملٍ القصد منه طمس الحقائق وليس إبرازها، لأن التاريخ لا تصنعه أنصاف الحقائق بل تصنعه الحقيقة كاملة بلا نقصان ولا تحريف ولا تزييف ولا تحريض"، وفق نص البيان.

في جانب آخر، أكد عضو المكتب التنفيذي الحالي لحركة "مشروع تونس"، الصادق شعبان، أحد أبرز وزراء بن علي، أنه لم يكن لديه أي علم بما كان يحصل حينها من عمليات تعذيب. ولفت شعبان في تصريح إذاعي، إلى أنه كان يعتقد في ذلك الوقت أن التقارير الدولية حول الانتهاكات في تونس كانت تهدف إلى تشويه تونس. واعتبر أن البلاد تسير في الطريق الصحيح في ما يتعلّق بمسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن هذا المسار تأخر قليلاً ولكن تونس متجهة نحو المصالحة الوطنية، مقدّماً اعتذاراته للضحايا وعائلاتهم، ليس بوصفه "مساهماً فيها وإنما بصفته جزءاً من النظام الذي اقترف هذه الانتهاكات".

ومع انطلاق الشهادات، بدأت بعض الأسئلة تُطرح حول بعض النشطاء الذين تم التنكيل بهم وقتلهم تحت التعذيب، ولم تتمكن عائلاتهم حتى اليوم من تسلم جثثهم أو حتى معرفة أماكن دفنهم. ودعا مسؤولون في بعض الأحزاب التونسية رموز النظام السابق ومسؤوليه، إلى كشف حقيقة تلك الأحداث وتفاصيلها، إذا كانت لديهم نوايا حقيقية في التوبة أو الاعتذار.
وبعد هذه الشهادات التي بدأت تظهر حول ملابسات بعض المحطات الهامة في تاريخ تونس، يبدو أن المجال سيُفتح نحو شهادات واعترافات أخرى، قد تزيل الغموض الذي يلفّ بعض الحقبات والأحداث التاريخية، خصوصاً أن انطلاق العدالة الانتقالية كان سلمياً وهادئاً، على الرغم مما رافقها من ردود فعل وانتقادات شديدة.

المساهمون